وعزا بعض الباحثين ظهور المولد النبوي إلى زمن متأخر ، وذهبوا إلى أن أمير إربل مظفر الدين كوكبوري المتوفى سنة ( 630 ه ) ، صهر صلاح الدين الأيوبي ، هو أول من احتفل بالمولد النبوي ، ووضع قواعد هذا الاحتفال ، وأن أهل الأندلس اصطنعوا هذا الاحتفال في بلادهم ، فكان ابن دحية المتوفى سنة ( 633 ه ) هو أول من وضع دراسة عن هذه الاحتفالات في كتابه ( التنوير في مولد السراج المنير ) « 1 » .
فعادة تعظيم المولد النبوي بدأت في المشرق ، « وانتقلت إلى المغرب والأندلس على يد أبي العباس العزفي بسبتة ، فكان يعقوب المريني أول من احتفل به في المغرب ، ثم انتقل هذا الرسم إلى الأندلس » « 2 » .
وكان لأبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين ، صاحب إربل غاية من وراء احتفاله بالمولد النبوي ، فقد جهد في إصلاح إربل وزيادة عمرانها ، و « أراد بعد هذه الاصلاحات العمرانية أن يجعل إربل قبلة الأنظار ، يقصدها الناس من جميع الطبقات ، فجعل مولد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم موسما تمتد فيه الحفلات اثني عشر يوما » « 3 » .
وربما لم يكن البحث عن مظاهر العظمة هي وحدها وراء احتفاء كوكبوري بالمولد النبوي ، أو المشاعر الدينية عنده ، بل قد يكون طلب المغفرة ، والتوسل بالرسول الكريم ، الدافع المباشر لإقامته هذه الاحتفالات الباذخة في ذكرى المولد ، فإنه « كان عسوفا في استخراج المال ، ويحتفل بمولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وينفق عليه الأموال الجليلة » « 4 » .
وانتشر الاحتفال بالمولد النبوي في الأقطار العربية الإسلامية بسرعة كبيرة ، وأضحى من الأعياد الدينية التي يشارك فيها الناس جميعا ، وصار له تقاليده الثابتة
هامش
( 1 ) جمال الدين ، محسن : احتفالات الموالد النبوية ص 5 .
( 2 ) ابن الأحمر : نثير الجمان ص 236 .
( 3 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 7 / 12 .
( 4 ) ابن الوردي : تتمة المختصر 2 / 235 .