وأصبح الدّين قد حفّت جوانبه * بعزّة النّصر واستعالى على الملل
تعرّقت منه أعراق العراق ولم * يترك من التّرك عظاما غير منتثل « 1 »
لم يبق للفرس ليث غير مفترس * ولا من الحبش حبش غير منجفل
وما أن يفرغ من الإشادة بما حققه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من انتصارات ، وبما حققه المسلمون من فتوحات حتى يتوجه إلى الرسول الكريم متشفعا فيقول :
نحلتك الودّ عليّ إذ نحلتكه * أحبى بفضلك منه أفضل النّحل
ولولا هذه الخاتمة التي يظهر فيها الشاعر لما اختلفت القصيدة في شيء منها عن المتون العلمية ، وعن المنظومات التعليمية ، فليس للشعر في هذه القصيدة نصيب كبير ، خاصة مع طغيان الصنعة الثقيلة عليها .
وقد اقتدى كثير من الشعراء ، والعلماء منهم خاصة ، بهذه القصيدة فأصبحت مدائحهم في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منظومات تسرد سيرة الرسول الأمين ومعجزاته .
وهكذا يظهر لنا بوضوح أن فن المديح النبوي قد تكامل في هذا العصر ، وانتشر في جميع الأقطار العربية ، وتعددت مذاهبه وطريقة تناوله ، وافتن الشعراء في شكل القصيدة وأسلوبها .
وقد بدأ هذا الفن على عهد الرسول الكريم ، فمدحه الصحابة بقصائد أضحت مثالا يحتذى للشعراء فيما بعد ، لكن المديح النبوي في حياة الرسول الأمين لا يدخل ضمن المدائح النبوية التي ضمّها هذا الفن ، فهي قيلت في حياته ، وهو موجود يسمع ويكافئ ، فالعبرة في فن المديح النبوي أنه قيل بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم بزمن طويل ، وهنا جاءت المفارقة في مديح الميت ، وفي أسباب هذا المديح وأهدافه .
هامش
( 1 ) منتثل : مستخرج .