جهد جهيد ، وقد يختلط التراب بالتبر فما يستطيع بشر فصله عنه .
في غار حراء كان محمد عليه الصلاة والسلام يتعبّد ، ويصقل قلبه ، وينقي روحه ، ويقترب من الحق جهده ، ويبتعد عن الباطل وسعه ، حتى وصل من الصفاء إلى مرتبة عالية ؛ انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوّة ، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح .
في هذا الغار اتصل محمد صلى اللّه عليه وسلم بالملأ الأعلى .
ومن قبله شهد بطن الصحراء أخا لمحمد عليه الصلاة والسلام ، يخرج من مصر فارّا مستوحشا ، ويجتاز القفار متلمّسا الأمن والسكينة والهدى ، لنفسه وقومه ، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة ، فلمّا تيمّمها ، إذا بالنّداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
( 14 ) [ طه ] .
إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون ؛ لتتّقد مرة أخرى في جوانب الغار الذي حوى رجلا يتحنّث ويتطهّر ، نائيا بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهلية ومساوئها ، لكنّ الشعلة لم تكن نارا تستدرج الناظر ، بل كانت نورا ينبسط بين يدي وحي مبارك ، يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية ، والتثبيت والعناية ، وإذا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم يصغي في دهشة وانبهار إلى صوت الملك ، يقول له :
« اقرأ . . . » فيجيب مستفسرا : « ما أنا بقارئ » ، ويتكرر الطلب والرد لتنساب بعده الآيات الأولى من القران العزيز :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) [ العلق ] « 1 » .
هامش
( 1 ) حديث صحيح ، سيأتي تخريجه قريبا .