أما حياته العامة - رسولا يبلّغ عن اللّه ويربّي المؤمنين ، ويقاوم الكافرين ، ويدأب على نشر دعوته ، حتى تؤتي ثمارها في الآفاق ، فلا شكّ أن القران العزيز هو مهادها وبناؤها .
ومع أن القران كتاب معجز ، إلا أنه يقوم على إيقاظ المواهب العليا في الإنسان ، فهو أشبه بالأحداث الجليلة التي تعرض لك فتحملك على التفكير بأصالة وبصر ، ومن ثمّ فهو كتاب إنساني يعين الوعي العام على النضج والسداد .
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 3 ) [ الزخرف ] .
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً
[ فصلت ] .
والفارق بين توجيه العرب بالقران وتوجيه اليهود بنتق الجبل كالفارق بين صوت الإرشاد يهدي العاقل إلى الطريق ، وسوط العذاب يلسع الدابة البليدة لتمضي إلى الأمام ، فلا تسير خطوة إلا رمت بعجزها إلى الوراء خطوات .
وكان عبد اللّه بن رواحة ينشد :
وفينا رسول اللّه يتلو كتابه * إذا انشقّ مكنون من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا * به موقنات أنّ ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
ومن المحققين من يرى أنّ القران هو المعجزة الفريدة لرسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، وهم يلحظون في هذا الحكم التعريف اللفظي للمعجزة ، من أنها خارق للعادة مقرون بالتحدي ، ولم يعرف هذا التحدي إلا بالقران « 1 » .
وقد ملنا إلى قريب من هذا الرأي « 2 » ، لا بالنظر إلى التعريف اللفظي للمعجزة ، بل بالنظر إلى القيامة الذاتية للخوارق الأخرى بالنسبة إلى الأهداف الرفيعة التي جاء بها الإسلام .
على ألاصلة للعقيدة ولا للعمل بهذه البحوث ، فالرجل الفاسد لا يغفر
هامش
( 1 ) أما انشقاق القمر ، والإسراء والمعراج ، وتكثير الطعام ، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة صلى اللّه عليه وسلم ، وحنين الجذع إليه ، وغير ذلك من الخوارق ، فسمّاها من لم يعتبر التحدي قيدا ( معجزات ) ، وسماها من اعتبره قيدا ( دلائل النبوة ) وهو اختلاف في التسمية فقط ، وقديما قالوا : لا مشاحّة في الاصطلاح . ( ن ) .
( 2 ) راجع كتابنا ( عقيدة المسلم ) ، مبحث النبوّات ، ص 181 ، دار القلم - دمشق .