موقف المنافقين :
وكان حقيقا بالذين خالجتهم الريبة في رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يتوسّموا في هذه الآيات البيّنات ما يقربهم من دينه ، ويغريهم بالتصديق ونبذ الجفوة والعناد .
إلّا أنّ النفوس الخسيسة تزداد شرا وجحودا كلّما ازداد خصومها نجاحا وصعودا .
فما تظنه سبب إقبالها قد يكون سبب انتكاسها .
لذلك لا يستغرب أن يرجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فيجد قلوب المنافقين لا تزال مطوية على دخلها ، تبتسم للفاتح العائد ، وهي تودّ لو لم تر شبحه ، يستوي في ذلك رؤساء العشائر الذين وهي سلطانهم أمام انتشار الإسلام ، وسواد الأعراب الذين يمرحون في البادية كالسوائم الغافل ، لا يكادون يفقهون حديثا .
وثمّ أمر اخر زاد في غواية المنافقين وتربّصهم الشر بالإسلام ونبي الإسلام ، ذلك هو عرفانهم بالخصومة التي نشبت بين المسلمين والرومان ، وإدراكهم لما تحمله في أطوائها من خطورة وعنف .
فالعرب ينظرون إلى دولة الروم نظرة أهل إفريقية اليوم إلى أوروبة وأمريكة ، إنّها قوة لا تنال ولا تناوش .
ولئن كان الرومان بهذه المثابة المرهوبة فإنّ محمدا - كما عرف القوم من سيرته - لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض ، وقد مضى برسالته يذيب ما اعترضه من عوائق ، فمحا الوثنية ، وأجلى اليهودية ، وقاوم بطش الروم مقاومة الواثق المعتد .
والمنافقون مسرورون بهذه الخصومة الجديدة ، يحسبون أنّ مقبرة الإسلام ستحفر فيها .
لذلك لما أعلن النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة أنّه منطلق إلى ( تبوك ) تجمّع رهط من المنافقين فقال بعضهم لبعض - مشيرين إلى المسلمين - : أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا ؟ .
واللّه لكأنّا بكم غدا مقرّنين في الحبال . . . إرجافا وترهيبا للمؤمنين ! ! .