وقال :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[ النحل : 44 ] .
وقال :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] .
على أن الإلهام الأعلى لا يعطّل مواهب الإنسان الراقي ، فمن الخطأ أن نتصور المرسلين أناسا مسخّرين تنطقهم الملائكة أو تسكتهم ، إنهم لو لم يكونوا أنبياء لكانوا رجالا يرمقون باحترام ، ويقدّمون عن جدارة .
إنّ الوحي لا يصيب الناس اتفاقا ، بل يرشّح له أكمل الناس رشدا ، وأسبقهم فضلا ، وأنبلهم خلقا ، وأنضجهم رأيا . وسيرة هؤلاء في الحياة ليست مما ينبذ ، وكلمهم ليس مما يهمل ، فكيف إذا تأيّدت هذه العراقة بالعصمة ، وهذا الذكاء بالتسديد ؟ ! .
إنّ السّير في ركاب المرسلين هو الخير كله ، ومن ثمّ كانت سنّة محمد عليه الصلاة والسلام مصدرا لشريعته ، مع الكتاب الذي شرّفه اللّه به ، وجمهور المسلمين على هذا الفهم ، إلا أن السّنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها ، فليس كل ما ينسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام سنّة تقبل ، ولا كلّ ما صحت نسبته صح فهمه ، أو وضع موضعه ! !
والمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أسيء فهمها ، واضطربت أوضاعها ؛ حتى جاء أخيرا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام ، ويتمنّى لو تخلّص المسلمون منها .
وهذا خطأ من ناحيتين : إهمال الحقيقة التاريخية أولا ، فإن الدنيا لم تعرف بشرا أحصيت اثاره ، ونقدت بحذر ، ومحّصت بدقة كما حدث ذلك في اثار محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، فكيف ترمى بعد ذلك في مطارح الإهمال ؟ ! .
والناحية الأخرى أن في السنّة كنوزا من الحكمة العالية ، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين ، فلماذا تضيع على صاحبها ويحرم الناس خيرها ؟ ! .
عندما درسنا تراث محمد عليه الصلاة والسلام في الأخلاق ، وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل ؛ خيّل إلينا لو أن جيشا من
هامش
( 1 ) قد تكفّل المحدّثون رضي اللّه عنهم بتتبع الأحاديث النبوية ، وتمييزها ، وشرحها ، ووضعها في موضعها ، فجزاهم اللّه عن المسلمين خيرا . ( ن ) .