ومدّ الإسلام رواقه على هذه الأرض بعد أن ظلّت حينا من الدهر في أيدي اليهود ، يعيشون عليها كما يشتهون .
[ الأرض للّه يورثها من يشاء ] :
والعظة التي نستخلصها من هذه المعارك وما أعقبها من جلاء أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء ، وهو لا ينتزعها من قوم ويعطيها آخرين محاباة . كلا ، ولكنّ الأمة التي تفسد على النعمة تسلبها ، ثم تساق النعمة إلى من يقدّرها ، ويشكر اللّه عليها . والأمة التي تتكبّر مع الحرية وتتبطّر ، تفقد امتلاكها لنفسها وحقّها وأمرها ، لتقع في إسار الآخرين فيصرّفون شؤونها كما يشتهون .
وقد طبّق هذا القانون على بني إسرائيل بقسوة عندما أهدروا أحكام التوراة وتبعوا الهوى ، وطبّق بعد ذلك على المسلمين يوم سدروا في الغواية وجحدوا ما لديهم من هداية .
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
( 102 ) [ هود ] .
إنّ الحياة كرّ وفرّ ، وإقبال وإدبار ، والنظرة العجلي إلى تاريخ البشر توحي بأنّ مكان الصدارة لم يثبت لأمّة من الأمم إلّا ريثما تتهيأ أمة أخرى لانتزاعه .
والدول التي سادت أشبه بلجج البحر ، التي ترتفع حينا ثم لا تلبث أن تضمحل رويدا رويدا حتى تنداح على الشاطئ ضعيفة متطامنة ، ولا مانع من أن تعود مرة أخرى مع المد لتبلغ الأوج ، ثم تنفك عنها أسباب القوة ، فتهبط مستكينة من جديد .
وقد ملك بنو إسرائيل وعزّوا بقدر حكيم ، ثم سلبوا الملك والعزّة بقدر كذلك ، لترثهما دولة الإسلام الفتيّ الناهض ، وتمّ هذا التحول لخير البشر قاطبة .
لماذا تظاهرت اليهودية الوثنية ضدّ الإسلام ؟ ولمصلحة من يقع هذا ؟ إنّ بني إسرائيل ينظرون إلى الدنيا والدين من خلال منافعهم الخاصة ، وذلك ما حدا بهم إلى مقاومة الإسلام بعنف ، أمّا القدر الأعلى ، فيريد أن يجعل من الأمة الجديدة رسالة تغيير شامل ، لما شاع في العالم أجمع من مفاسد ، ولما عرا حضارته من تعفّن وركود . فإذا وقفت حفنة من الأعراب أو حفنة من اليهود لتعترض هذا