يعودوا بعد إذا شاؤوا ، وذلك إبقاء على مكانة قريش في العرب ! ! .
[ شروط صلح الحديبية ] :
واستقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفاوض قريش وهو أرغب ما يكون في موادعة القوم ، وإن كان قادرا على تحكيم السّيف ، وإنزال خصومه على منطقه الذي اثروه مذ صدّوه عن البيت ، وتكلّم ( سهيل ) فأطال ، وعرض الشروط التي يتمّ في نطاقها الصلح ، ووافق عليها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يبق إلا أن تسجّل في وثيقة يمضيها الفريقان .
وحدثت في معسكر المسلمين دهشة عامة للطريقة التي سلكها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أوليائه ومع أعدائه .
فأمّا مع أعدائه ، فقد ذهب في ملاينتهم إلى حدود بعيدة ، وأولى به أن يقسو عليهم .
وأما مع أصحابه - فإنّه على غير ما ألفوا منه - لم يستشرهم في هذا الاتفاق المقترح .
مع أنّه في شؤون الحرب والسلم التي سلفت كان يرجع إليهم ، وربما نزل على رأيهم وهو له كاره ، لكنّه اليوم ينفرد بالعمل ، ويقرّ ما يكرهون على غير ضرورة ملجئة . .
وقد شرحنا في غير هذا المكان « 1 » موقف النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية خاصّة ، وأبنّا أنّ تقدير الأمور لم يترك للنظر المعتاد ، بل كان للإلهام الأعلى توجيهه الصائب .
إنّ اللّه الذي عقل الناقة أن تتابع سيرها لا يأذن لهذه الكتائب أن توالي زحفها ، وتشرع رماحها ، وقد تحرز نصرا أقلّ على الإسلام - في جدواه - من سلم مبارك النتائج .
قال الزهري : فلما التأم الأمر ، ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ! أليس برسول اللّه ؟ قال : بلى . قال :
أولسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى . قال : أو ليسوا بالمشركين ! . قال : بلى . قال :
فعلام نعطي الدنيّة في ديننا ؟ ! .
هامش
( 1 ) في كتابنا : ( الإسلام والاستبداد السياسي ) ، وهو من منشورات دار القلم - دمشق .