الذي قوبل به - إلا خسّة وخصاما ، والبون بعيد بين أصناف الرجال ، الذين عادوا الإسلام ورسوله . لقد كان ( أبو جهل ) خصما لدودا لكلّ من دخل هذا الدين ، وكان طاغية عنيدا لا تنتهي لجاجته ، إلا أنه كان كالضبع المفترس ، لا يحسن الالتواء والوقيعة ، حمل السيف في وضح النهار ، وما زال يقاتل به حتى صرع .
أمّا عبد اللّه بن أبي فقد اختفى كالعقرب الخائنة ، ثم شرع يلسع الغافلين ، قبع هذا المنافق في جنح الظلام وبدأ ينفث الإشاعات المريبة .
وتدلّى - في غوايته - إلى حضيض بعيد ، فلم يبال أن يتهجّم على الأعراض المصونة ، وأن ينسج حولها مفتريات يندى لها جبين الحرائر العفيفات .
في عودة الرسول صلى اللّه عليه وسلم من غزوة بني المصطلق إلى المدينة ، نبت حديث الإفك وشاع ، واجتهد خصوم اللّه ورسوله أن ينقلوا شرره في كل مكان قاصدين - من وراء هذا الأسلوب الجديد في حرب الإسلام - أن يدمّروا على الرسول صلى اللّه عليه وسلم بيته ، وأن يسقطوا مكانة أقرب الرّجال لديه ، وأن يدعوا جمهور المسلمين - بعد ذلك - يضطرب في عماية من الأسى والغم ! ! .
وللوصول إلى هذه الغاية استباح ابن أبي لنفسه أن يرمي بالفحشاء سيدة لمّا تجاوز مرحلة الطفولة البريئة ، لا تعرف الشرّ ، ولا تهمّ بمنكر ، ولا تحسن الحياة إلا في فلك النبوة العالي ، وهي التي تربّت في حجر صدّيق ، وأعدت لصحبة نبي في الدنيا والآخرة .
وتلقّف العامة هذا الحديث الغريب ، وهم في غمرة الدهشة ، لا يدرون مبلغ الخطر الكامن في قبوله ونقله .
وإليك سردا لهذا ( الحديث ) المفتعل على لسان السيدة التي تعرّضت له وبرّئت منه .
فقه السيرة ( الغزالي ) — صفحة 291
مساهمون: محمد الغزالي
ص٢٩١