ومن أولئك الذين نفّذ فيهم العقاب ( كعب بن الأشرف ) ؛ فإنّ كعبا هذا سافر إلى مكة - من المدينة - يواسي مشركيها المهزومين في بدر ، ويحرّضهم على إدراك ثأرهم من محمد صلى اللّه عليه وسلم وصحابته ، وهو الذي سأله أبو سفيان : أناشدك اللّه ، أديننا أحبّ إلى اللّه أم دين محمد وأصحابه ؟ وأيّنا أهدى إلى ربك وأقرب إلى الحق ؟
إننا نطعم الجزور الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونطعم ما هبّت الشمال ! .
قال له كعب : أنتم أهدى منه سبيلا ! ! .
فأنزل اللّه على رسوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا
( 51 ) [ النساء ] .
وعاد كعب إلى المدينة سافر العداوة ، بعيد الجراءة ، حتى إنّه صاغ قصائد الغزل في بعض النّساء المسلمات . . وليس بعد ذلك صبر ، فأهدر المسلمون دمه .
وبعث إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم من استنزله من حصنه ليلقى جزاءه الحق .
ذهب إليه ( محمد بن مسلمة ) و ( أبو نائلة ) بعد ما استأذنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقولا فيه ما يطمئن اليهودي إلى تبرّمهما بالإسلام ، أتاه محمد بن مسلمة ، فقال له : إنّ هذا الرجل قد سألنا صدقة ، وإنه قد عنّانا ، وإنّي قد أتيتك أستسلفك ! ! . قال كعب : واللّه لتملّنه ! قال : إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ، وقد أردنا أن تسلفنا . قال : نعم ، ارهنوني ، قال :
أيّ شيء تريد ؟ قال : ارهنوني نساءكم ! قال : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ؟ . قال : فترهنوني أبناءكم ، قال : يسب ابن أحدنا فيقال : رهن في وسق أو وسقين من تمر ! ! ولكن نرهنك السلاح .
وصنع أبو نائلة ما صنع محمد بن مسلمة ؛ قال لليهودي : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء ! عادتنا العرب ، ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت علينا السبيل ، حتى ضاع العيال ، وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ، ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة ، ورضي كعب - أخيرا - أن يسلفهم نظير ارتهان أسلحتهم .
وإلى هذا قصدوا ، فإنّ كعبا لن ينكر السّلاح معهم وهو الذي طلبه منهم .
وفي ليلة مقمرة انطلقوا إلى حصنه ليتمّوا ما تواعدوا عليه ، فقالت امرأته