بدء الصراع بين اليهود والمسلمين
لم تحدّث المسلمين أنفسهم بنقض عهود اليهود ، ولا فكّروا في طردهم من أرض الجزيرة ، بل على العكس توقّع المسلمون منهم أن يكونوا عونا لهم في حرب الوثنية المخرّفة ، وتدعيم عقيدة التوحيد ، ورجا المسلمون أن يصدّق اليهود محمدا صلى اللّه عليه وسلم فيما يثبته للّه من تنزيه ومجد ، وأن تكون صلتهم بالكتب القديمة ، وألفتهم لأحاديث المرسلين سببا في إقناع العرب الأميين بأن الرسالات السماوية حقّ ، والإيمان بها واجب .
وهذه المشاعر الحسنة تتمشّى مع القران النازل يومئذ يؤسسها ويؤكدها :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
( 43 ) [ الرعد ] .
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ
( 36 ) [ الرعد ] .
بيد أن اليهود كانوا عند أسوأ الظن ، فلم تمض أيام على اختلاطهم بالمسلمين في المدينة حتى شرعوا يحرجون صدورهم ، ويعينون عليهم ، ولو أنّهم كذّبوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم كما كذبوا بعيسى عليه السّلام من قبل ، واعتقدوا أن ما وراء توراتهم باطل ، واكتفوا بأداء عبادتهم في بيعهم ، وحبسوا في أفواههم المطاعن على أنبياء اللّه . . .
لتركهم المسلمون وشأنهم يكفرون إلى قيام الساعة ، دون حرب أو ضرب .
أمّا أن يجتهد المسلمون في بناء دولتهم ، فيجتهد هؤلاء في نقضها ، أمّا أن يصطدم الإسلام بالشرك ، فينضمّ بنو إسرائيل بعواطفهم وألسنتهم ودعاياتهم ضد محمد صلى اللّه عليه وسلم وصحبه . . فهذا ما لا يستساغ .
وفي فرحة المسلمين بانتصارهم في بدر ، لم يستحي أولئك اليهود أن يقولوا لرسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « لا يغرنّك أنّك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، أما واللّه لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن النّاس ! ! » .