فروق بين البلدين
عاشت مكة في بحبوحة من الحياة أمدا طويلا ، امنة مطمئنة ، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وترجع هذه السعة إلى عاملين :
1 - مهارة أهلها التجارية .
2 - ومكانة الحرم الدينية .
كلا الأمرين أدرّ عليها أخلاف الخير ، فأثرت حتى بطرت ، وشبعت حتى أتخمت ، ثم عراها ما يعرو كل جماعة تواتيها الحظوظ ويصبغها الترف من :
تكبّر ، وقسوة ، وجحود ، فلما ظهر فيها الإسلام ، ودعا محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الحق ، ردت يده في فمه ، وأحدقت به وبمن معه ، وملكها العناد من أول يوم ، وأعلنت أنّ مركزها - عاصمة للوثنية ، ومجمعا للأصنام ، ومثابة للحجيج - سيزول إن هي استمعت إلى هذا الدين ، وأمكنته من البقاء .
وحاول الرسول عليه الصلاة والسلام - جاهدا - أن يقنع أهل مكة بأن قبولهم للحق لن يحرمهم ذرة من الخير الذي متّعوا به ، فأبى الظالمون إلا كفورا :
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 57 ) [ القصص ] .
ومن هنا اشتبك سادة مكة في حرب مع الإسلام ، اعتبروها دفعا عن كيانهم المادي ، ووضعهم الاقتصادي ، إلى جانب ما هنالك من عوامل أخرى ، وهذه الحروب معروفة النتائج :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
( 58 ) [ القصص ] .
أما الأمر في ( يثرب ) فكان على النقيض ، إنّ الشحناء المتأصّلة بين أهليها استنزفت دماءهم ، وقطعت شملهم ، وشغلت بعضهم ببعض ، حتى أوصلتهم الحروب الدائمة إلى درك أسف له العقلاء ، وتمنّوا الإنقاذ منه . كان ( الأوس )