ولذلك سنتجاوز هذا البحث « 1 » إلى ما هو أيسر وأجدى ، أي إلى تسجيل المعالم المتصلة بالإسلام باعتباره رسالة عامة وتشاريع محددة .
وقصة الإسراء والمعراج تهمّنا من هذه الناحية .
ألم تر أنّ ( علم النفس ) لم يستبحر وينطلق إلا يوم تحرّر من البحث في الروح والخبط في مدلولها ؟ ! .
[ لماذا المسجد الأقصى ؟ ] :
لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس ، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة ؟ .
إنّ هذا يرجع بنا إلى تاريخ قديم ، فقد ظلّت النبوّات دهورا طوالا وهي وقف على بني إسرائيل ، وظلّ بيت المقدس مهبط الوحي ، ومشرق أنواره على الأرض ، وقصبة الوطن المحبب إلى شعب اللّه المختار « 2 » .
فلما أهدر اليهود كرامة الوحي ، وأسقطوا أحكام السماء ، حلّت بهم لعنة اللّه ، وتقرّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد ! ومن ثمّ كان مجيء الرسالة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة ، ومن بلد إلى بلد ، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل .
وقد كان غضب اليهود مشتعلا لهذا التحوّل ، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
[ البقرة : 90 ] .
لكنّ إرادة اللّه مضت ، وحمّلت الأمة الجديدة رسالتها ، وورث النبيّ العربيّ تعاليم إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ، وقام يكافح لنشرها ، وجمع الناس عليها ، فكان من وصل الحاضر بالماضي ، وإدماج الكلّ في حقيقة واحدة أن يعتبر
هامش
( 1 ) انظر البحث مفصلا في كتاب : السيرة النبوية ، للشيخ محمد محمد أبو شهبة : 1 / 407 - 428 ، وفيه ردّ على أوهام الدكتور محمد حسين هيكل . ( ن ) .
( 2 ) كل أمة أو شعب تحمّل عبء تبليغ رسالة نبيّه ، فهو شعب مختار ، فإن أدى الأمانة ، فهو من خير أمم الأرض ، وإن خانها ، فهو من شر أمم الأرض ، أما بنو إسرائيل فقد خانوا ، وقتلوا النبيّين ، فكان أن ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباؤوا بغضب من اللّه . ( ن ) .