وقد حزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لموت أبي طالب حزنا شديدا ، ألم يكن الحصن الذي تحتمي به الدعوة من هجمات الكبراء والسفهاء ؟ ! وها قد ولّى الرجل الذي سخّر جاهه وسلطانه في الذود عن ابن أخيه وكفّ العوادي أن تناله .
إن قريشا أصبحت لا تهاب في محمّد عليه الصلاة والسلام أحدا بعده .
روي أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما نالت منّي قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب » « 1 » ، وذلك أنّهم تجرؤوا عليه ، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه .
وعن ابن مسعود قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلّي عند البيت ، وأبو جهل وأصحابه جلوس ، وقد نحرت جزور بالأمس ؛ فقال أبو جهل : أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد ؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه ، فلما سجد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وضعه بين كتفيه ، فاستضحكوا ، وجعل بعضهم يميل على بعض ، وأنا قائم أنظر ، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهره ، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه ، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة ، فجاءت - وهي جويرية - فطرحته عنه ، ثم أقبلت عليهم تشتمهم .
فلمّا قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاته ؛ رفع صوته ، ثم دعا عليهم ، وكان إذا دعا دعا ثلاث مرات ، وإذا سأل سأل ثلاثا ، ثم قال : « اللّهم عليك بقريش » ثلاثا .
فلمّا سمعوا ، ذهب عنهم الضحك ، وخافوا دعوته .
ثم قال : « اللّهم عليك بأبي جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط » وذكر السابع ولم أحفظه .
فوالذي بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالحق ، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر ، ثم سحبوا إلى القليب ، قليب بدر « 2 » .
لقد مضت مكة في طريق الكفر حتى أوغلت فيه ، وبلغت نهايته ، فهي الان تستمرئ تلويث الساجدين بالأقذار ، وتتمايل - ضحكا - من منظر الأنجاس وهي
هامش
( 1 ) حديث ضعيف ، أخرجه ابن إسحاق : 1 / 258 ، بسند صحيح عن عروة بن الزبير مرسلا .
( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 1 / 278 - 280 ، 471 ؛ ومسلم : 5 / 180 ؛ والنسائي : 1 / 51 ؛ وأحمد ، رقم ( 3722 ، 2723 ، 3775 ، 3962 ) والقائل : ( وذكر السابع ولم أحفظه ) هو أبو إسحاق ، وهو السبيعي كما صرّح بذلك مسلم في روايته ، وقد سمّي السابع ( عمارة بن الوليد ) في رواية البخاري وأحمد ، راجع فتح الباري .