« ما هممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين ، كل ذلك يحول اللّه بيني وبينه ، ثم ما هممت به حتى أكرمني اللّه بالرسالة ، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب ، فقال :
أفعل ، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا فقلت : ما هذا ؟ فقالوا :
عرس ، فجلست أسمع ، فضرب اللّه علي أذني ، فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس ، فعدت إلى صاحبي ، فسألني فأخبرته ، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة ، ثم ما هممت بعده بسوء » « 1 » .
العبر والعظات :
يدل حديث بحيرا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو حديث رواه عامة علماء السيرة ورواتها ، وأخرجه الترمذي مطوّلا من حديث أبي موسى الأشعري على أن أهل الكتاب من يهود ونصارى ، كان عندهم علم ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام ومعرفة بعلاماته ، وذلك بواسطة ما جاء في التوراة والإنجيل من خبر بعثته وبيان دلائله وأوصافه ، والدلائل على ذلك كثيرة مستفيضة .
فمنها ما رواه علماء السيرة من أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه ويقولون : إن نبيا سيبعث قريبا سنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . ولما نكثوا عهدهم أنزل اللّه في ذلك قوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 )
[ البقرة : 89 ] .
وروى القرطبي وغيره أنه لما نزل قول اللّه تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 )
[ البقرة : 146 ] سأل عمر بن الخطاب عبد اللّه بن سلام وقد كان كتابيا فأسلم ، أتعرف محمدا صلى اللّه عليه وسلم كما تعرف ابنك ؟
فقال : نعم وأكثر ، بعث اللّه أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته ، أما ابني فلا أدري ما الذي قد كان من أمّه ، ولقد كان سبب إسلام سلمان الفارسي تتبع خبر النبي صلى اللّه عليه وسلم وصفاته من الإنجيل والرهبان وعلماء الكتاب .
ولا ينافي هذا أن كثيرا من أهل الكتاب ينكرون هذا العلم ، وأنّ الأناجيل المتداولة خالية عن الإشارة إلى ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمن المعلوم بالبداهة ما تقلّب على هذه الكتب من
هامش
( 1 ) رواه ابن الأثير ، ورواه الحاكم عن علي بن أبي طالب وقال عنه صحيح على شرط مسلم ، ورواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر .