الأخيرة وما تحمل في طيها من تهديد لحكم الطغاة وسلطان المتسلطين وبغي الباغين .
فلا غرو أن يكون هذا الدين - وقد استقر أمره في الجزيرة العربية - مصدر قلق وتخوف لدى طغاة الروم وأتباعهم الذين ما دخلوا النصرانية إلا ظاهرا ، وما أرادوا من ذلك إلا ضمان بسط سلطانهم على المستضعفين .
فمن أجل ذلك تلقوا خبر فتح مكة ونبأ انتصار الإسلام في الجزيرة العربية بالذعر ، ثم أخذوا يجمعون جموعهم بين الشام والحجاز ، علّهم يقفون في وجه هذا الدين الذي سيكون في انتشاره القضاء عليهم وعلى سلطانهم .
ولقد كان من مقتضى هذا الاهتمام لدى الروم ، أن يكون الاشتباك بينهم وبين المسلمين عظيما وخطيرا ، ولكن حكمة اللّه عز وجل تشاء أن يكتفي من جهاد المسلمين في هذه الغزوة بذلك الجهد العظيم الذي بذلوه والمشقات الجسيمة التي تحملوها ، إذ قطعوا تلك المسافات المضنية بين المدينة وتبوك ذهابا وإيابا ، ولقد كانت - كما رأيت - رحلة عجيبة في عذابها وأتعابها ومشاهد العسر التي فيها . . وما الجهاد الذي أمر اللّه به ؟
هل هو إلا بذل النفس والجهد في سبيل شرعة اللّه ودينه ؟ . . إن هذا هو كل ما يريد اللّه من عباده ، ومعاذ اللّه أن يكون بحاجة من وراء ذلك إلى معونتهم لرد كيد الكافرين أو إدخال معنى الهداية والإيمان في قلوب الجاحدين .
وقد بذل « جيش العسرة » في هذه الغزوة العسيرة المضنية ، المال والجهد وضحّوا بالراحة في أجمل فرصها ، واستبدلوا به العذاب في أقسى صوره وأشكاله ، ولقد برهنوا بذلك على صدق إيمانهم باللّه ومحبتهم له ، فحقّ لهم النصر والتأييد ، وأن يكفيهم اللّه القتال ، برعب من لدنه يقذفه في قلوب أعدائهم ، فيتفرقون عنهم ويخضعون لحكم اللّه فيهم . وهكذا فقد كان يسر خضوع الروم لحكم الجزية وقيودها ، في مقابل العسر الذي تحمله المسلمون مع رسولهم صلى اللّه عليه وسلم في مرضاة ربهم جل جلاله .
ثانيا : العبر والأحكام :
وإنك لتجد في هذه الغزوة دروسا وأحكاما كثيرة ، نجعل منها ما يلي :
1 - ( أهمية الجهاد بالمال ) : فالجهاد ضد أعداء الإسلام ليس محصورا بالخروج للغزو ، بل ولا يكفي منه ذلك وحده ، فحيثما توقف أمر الجهاد بالقتال والسلاح على نفقات ومال ، وجب على المسلمين كلهم أن يقدموا من ذلك ما يقع موقعا من الكفاية ، بشرط أن يكون ذلك بنسبة ما يتفاوتون به من كفاية وغنى .
فقه السيرة ( البوطي ) — صفحة 332
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص٣٣٢