أرض البلقاء ، فندب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الناس إلى الخروج ، وروى الطبراني من حديث ابن حصين أن جيش الروم كان قوامه أربعين ألف مقاتل « 1 » .
وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة ، وكان الفصل صيفا ، وقد بلغ الحر أقصاه ، والناس في عسرة من العيش ، وكانت ثمار المدينة - في الوقت نفسه - قد أينعت وطابت ، فمن أجل ذلك : أعلن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الجهة التي سيتجهون إليها - وذلك على خلاف عادته في الغزوات الأخرى .
قال كعب بن مالك : لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا ومفازا وعدوا كثيرا ، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم « 2 » .
وهكذا ، فقد كانت الرحلة في هذه الغزوة ثقيلة على النفس ، فيها أقسى مظاهر الابتلاء والامتحان ، فأخذ نفاق المنافقين يعلن على نفسه هنا وهناك ، على حين أخذ الإيمان الصادق يعلن عن نفسه في صدور أصحابه .
أخذ أقوام من المنافقين يقولون لبعضهم : لا تنفروا من الحر . . وجاء آخر « 3 » يقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إئذن لي ولا تفتني ، فو اللّه لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر ، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأذن له فيما أراد « 4 » وعسكر عبد اللّه بن أبي بن سلول في ضاحية بالمدينة مع فئات من أصحابه وحلفائه ، فلما سار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، تخلف بكل من معه ! .
ومما نزل في ذلك قوله تعالى :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 )
[ التوبة : 81 ] وقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 )
[ التوبة : 49 ] .
أما المؤمنون فأقبلوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كل صوب ، وكان قد حض أهل الغنى على النفقة وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما
هامش
( 1 ) انظر طبقات ابن سعد : 3 / 218 ، وفتح الباري : 8 / 87 .
( 2 ) متفق عليه .
( 3 ) هو الجد بن قيس .
( 4 ) رواه ابن إسحاق وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس ، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، وانظر الإصابة : 1 / 230 .