العبر والعظات :
هذه العمرة تعتبر تصديقا إلهيا لما وعد به عليه الصلاة والسلام أصحابه من دخولهم مكة وطوافهم بالبيت ، وقد رأيت كيف سأل عمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أثناء صلح الحديبية :
أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ فأجابه : « بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ » قال : لا ، قال : « فإنك آتيه ومطوّف به » .
فهذا هو مصداق وعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد نبه اللّه عز وجل عباده إلى هذا التصديق في قوله :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ( 27 )
[ الفتح : 27 ] .
ثم إن هذه العمرة انطوت على معنى تمهيدي للفتح الكبير الذي جاء من بعده ، فقد كان لمرأى ذلك العدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في طوافهم وسعيهم وسائر مناسكهم ، في حماس ونشاط غير مأمولين منهم فيما كان يتصوره المشركون ، كان لذلك أثر بعيد في نفوسهم ، فقد داخلتها الرهبة منه إذ فوجئوا بعكس ما كانوا يتصورون فيهم من الضعف والخمول بسبب ما قد يحتمل أن يكونوا قد أصيبوا به من حمّى يثرب وسوء مناخها ، روى الإمام مسلم عن ابن عباس أن المشركين لما رأوا رمل المسلمين حول الكعبة وفي المسعى قال بعضهم لبعضهم : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم ؟ ! . . هؤلاء أجلد من كذا وكذا « 1 » .
لا جرم أن كان لهذه العمرة إذا - بالشكل الذي تمت به - أثر بالغ في نفوس المشركين مهّد لفتح مكة فتحا سلميا كما سترى فيما بعد .
ثم إننا نأخذ من عمرة القضاء ما يلي :
أولا : استحباب الاضطباع والهرولة في طواف الأشواط الثلاثة الأولى ، اتباعا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، وإنما يستحب ذلك في طواف يعقبه سعي لأن الطواف الذي رمل فيه النبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك ، والاضطباع هو جعل الرجل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر ، ويسن أن يفعل ذلك أيضا بين الميلين عند السعي بين الصفا والمروة للاتباع . غير أن شيئا من ذلك لا يستحب للمرأة .
هامش
( 1 ) مسلم : 5 / 65 .