صدقتها الوقائع التي لا تحصى ، وذلك هو سر اللعنة الإلهية التي حاقت بهم وسجلها بيان اللّه تعالى في قوله :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 )
[ المائدة : 78 ] .
ثم إن في هذه الواقعة لدروسا بليغة ، ودلالات هامة تتعلق بكثير من أحكام الشريعة الإسلامية ، نذكر منها ما يلي :
أولا : الخبر الذي جاء في اللّه تعالى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكشف ما بيّته اليهود من الغدر به ، يعدّ واحدة من الخوارق الكثيرة التي أكرم اللّه بها رسوله صلى اللّه عليه وسلم قبل بعثته وأثناءها ، وهي مما ينبغي أن يسترعي انتباهنا ليحملنا على مزيد من الإيمان بنبوته ورسالته ، والاقتناع بأن شخصيته النبوية تعتبر الأساس الأول لوجوده وصفاته الشخصية الأخرى .
وقد عبر بعض الكاتبين في السيرة وفقهها عن هذا الخبر الإلهي الذي نزل على الرسول صلى اللّه عليه وسلم بفضح نوايا اليهود ، عبر عن ذلك بأنه ألهم ما يبيته اليهود له ! وكلمة الإلهام تدل على معنى مشترك بين الناس كلهم ، فحاسّة الإلهام - عن طريق الإشارات والقرائن - حاسة طبيعية لا تختص بها فئة من الناس دون غيرهم ، وكلمة « الخبر الإلهي » كما يستعملها علماء السيرة رحمهم اللّه تعالى ، إنما تدل على معنى هو من سمات النبوة وخصوصياتها ، ونحن نعلم أن هذا المعنى دون غيره هو الذي جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يحسّ بالمكر ، فهو الوفاء من اللّه تعالى بوعده القاطع لرسوله ،
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] .
وإذا كان الأمر كذلك ، ففيم التمويه في التعبير ؟ . . أما إن هذا ليس إلا مظهرا من مظاهر إنكار معجزاته صلى اللّه عليه وسلم . وقد علمت فيما مضى أن مصدر إنكار معجزاته عليه الصلاة والسلام - بعد ثبوتها بالقطع المتواتر - ليس إلا مظهر ضعف في الإيمان بنبوته عليه الصلاة والسلام .
ثانيا : قطع نخيل بني النضير وإحراقها ، ثبت بالاتفاق ، والذي أتلفه الرسول صلى اللّه عليه وسلم من ذلك إنما هو البعض ثم ترك الباقي ، وقد نزل القرآن تصويبا لما أقدم عليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من ذلك : قطعا وإبقاء . وذلك في قوله تعالى :
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ . . .
[ الحشر : 5 ] .
وقد استدل عامة العلماء بذلك ، على أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإتلافها