وأنت خبير أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما استبشر بما رآه مرة من دلائل إقبال بعض زعماء قريش على فهم الدين ، انصرف إليهم بكليته مبتهجا يكلمهم ويشرح لهم ما يستفسرون عنه من حقائق الإسلام ، حتى دعاه ذلك الاستبشار والطمع في هدايتهم إلى أن يعرض عن الصحابي الضرير عبد اللّه بن أم مكتوم حينما مرّ بهم فوقف إلى جانبهم يستمع ، وأخذ هو الآخر يسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك منه عليه الصلاة والسلام حرصا على الفرصة أن لا تفوته وأملا في أن يجيب عبد اللّه بن أم مكتوم في أي وقت آخر .
فعاتبه اللّه على ذلك في سورة :
عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
[ عبس 80 / 1 ، 2 ] ، وأنكر عليه اجتهاده هذا ، وإن كانت غايته مشروعة ونبيلة ، ذلك لأن الوسيلة قد انطوت على كسر خاطر مسلم أو ما يدل على الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه من أجل اجتذاب قلوب المشركين .
فهي ليست بمشروعة ولا مقبولة .
والخلاصة ، أنه ليس لأحد من الناس أن يغير شيئا من أحكام الإسلام ومبادئه ، أو يتجاوز شيئا من حدوده أو يستهين بها ، باسم اتباع الحكمة في النصيحة والدعوة ، لأن الحكمة لا تعتبر حكمة إلا إذا كانت مقيدة ومنضبطة ضمن حدود الشريعة ومبادئها وأخلاقها .
الدلالة الثالثة : ونستفيدها من موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من تلك المطالب التي طلبتها قريش منه صلّى اللّه عليه وسلم شرطا لاتباعها له . وهو موقف أيده اللّه فيه ، ففيه - كما ذكر عامة المفسرين - نزل قوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء 17 / 90 - 93 ] .
وليس السبب في عدم استجابة اللّه لهم ذلك ، ما قد يظنه البعض من أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ما أوتي من المعجزات إلا معجزة القرآن ، ولذلك لم تستجب لهم مطالبهم ، وإنما السبب أن اللّه عز وجل علم أنهم إنما يطالبون بذلك كفرا وعنادا وإمعانا في الاستهزاء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، كما هو واضح في أسلوب طلبهم ونوع المطالب التي عرضوها . ولو علم اللّه عز وجل فيهم صدق الطلب وحسن النية وأنهم مقبلون في ذلك على محاولة التأكد من صدق النبي عليه الصلاة والسلام ، لحقق لهم ذلك . ولكن أمر قريش في ذلك مطابق لما وصفه اللّه تعالى في آية أخرى وهي قوله :
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
[ الحجر 15 / 14 ، 15 ] ، وإذا علمت ذلك ، أدركت أنه لا تنافي بين هذا وما ثبت من إكرام اللّه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالمعجزات الكثيرة المختلفة مما سنفصل القول فيه قريبا إن شاء اللّه .