تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

رحلته الأولى إلى الشام ثم كدحه في سبيل الرزق

ولما تمّ له صلّى اللّه عليه وسلم من العمر اثنتا عشرة سنة ، سافر عمه أبو طالب إلى الشام في ركب للتجارة ، فأخذه معه . ولما نزل الركب ( بصرى ) مروا على راهب هناك يقال له ( بحيرا ) وكان عليما بالإنجيل خبيرا بشؤون النصرانية وهناك أبصر بحيرا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فجعل يتأمله ويكلمه ، ثم التفت إلى أبي طالب فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ فقال : ابني ( وكان أبو طالب يدعوه بابنه لشدة محبته له وشفقته عليه ) فقال له بحيرا : ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون أبو هذا الغلام حيا . فقال : هو ابن أخي . قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حبلى به . قال بحيرا : صدقت . فارجع به إلى بلده واحذر عليه يهود فو اللّه لئن رأوه هنا ليبلغنّه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم . فأسرع به أبو طالب عائدا إلى مكة « 6 » ثم أخذ رسول اللّه يستقبل فترة الشباب من عمره فبدأ بالسعي للرزق وراح يشتغل برعي الغنم ، ولقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه فيما بعد : « كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة » « 7 » . وحفظه اللّه من كل ما قد ينحرف إليه الشبان من مظاهر اللهو والعبث . قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن نفسه : « ما هممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين ، كل ذلك يحول اللّه بيني وبينه ، ثم ما هممت به حتى أكرمني اللّه بالرسالة . قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب ، فقال : أفعل ، فخرجت حتى إذا كنت عند
هامش
( 6 ) باختصار عن سيرة ابن هشام : 1 / 180 ورواه الطبري في تاريخه : 2 / 287 ورواه البيهقي في سننه وأبو نعيم في الحلية . ويوجد بين هذه الروايات بعض الخلاف في التفصيل ، وانفرد الترمذي بروايته مطولا على نحو آخر ، ولعل في سنده بعض اللين ، فقد قال هو نفسه بعد أن رواه : ( هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) . وفي سنده عبد الرحمن بن غزوان قال عنه في الميزان : له مناكير ، ثم قال : أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق ، في سفر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام . وقال عنه ابن سيد الناس : في متنه نكارة ( راجع عيون الأثر : 1 / 43 ) . والغريب أن الشيخ ناصر الدين الألباني قال عنه - رغم هذا - في تخريجه لأحاديث ( فقه السيرة ) للغزالي : إسناده صحيح . . ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه إلا قوله : هذا حديث حسن . . ومن عادته أن يضعف ما هو أصح من هذا الحديث بكثير . . هذا وأما القدر المشترك من القصة فثابت بطرق كثيرة لا يلحقها وهن . ( 7 ) رواه البخاري .
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 48 | محمد سعيد رمضان البوطي