ومنها حجرة عائشة رضي اللّه عنها مدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ، ثم بنوا جدارين على ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر » « 26 » .
خامسا - شعوره صلّى اللّه عليه وسلم وهو يعاني سكرة الموت :
وإنا لنستطيع أن ندرك شعوره وما كان قد انصرف إليه تفكيره وهمّه في تلك الساعة مما ذكرنا . فقد رأينا أنه بينما كان الناس مصطفين لصلاة فجر يوم الاثنين إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة رضي اللّه عنها قد كشف ، وبرز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من ورائه ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسّم يضحك ، حتى نكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وكاد الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحا به صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكنه أشار إليهم بيده أن أتّموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر .
لقد كان تفكيره إذن منصرفا تلك الساعة إلى أمته ، وإلى ما سيكون عليه حالهم من بعده . .
وإنك لتشعر من نظرته الباسمة إلى أصحابه وهم يقفون خاشعين بين يدي اللّه تعالى ، بمعنى الحب العظيم يفيض به فؤاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لهم ، بل وإنك لتجد في ابتسامته مظهرا لما كان يخفق به قلبه من حبّهم والدعاء لهم والتوجه إليهم .
لقد أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( بأبي هو وأمي ) وهو يمرّ بآخر دقائق عمره أن يتزود من أصحابه رضوان اللّه عليهم بآخر نظره ، وأن يطمئن إلى الحق الذي تركهم عليه والهداية التي أرشدهم إليها . . فأراه اللّه منهم ما طابت به نفسه وقرّت له عينه ، حتى غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية في جسده فغلبها ، وإذا بالبشر والسرور والرضا يطفح كل ذلك على وجهه ، حتى خيّل للصحابة أنه صلّى اللّه عليه وسلم قد نشط من أوجاعه ، وعوفي من آلامه .
ولكنهم ما عرفوا إلا أخيرا أنه إنما وقف ينظر إليهم تلك النظرة لينقلب بها إلى سكرة الموت ، وهي آخر لوحة تسجل في ذهنه لمشهد أصحابه ، بل وأمته كلها ، كي تكون هي العهد الباقي بينهم وبين اللّه عزّ وجلّ ، ولتكون هي الهمزة الواصلة بين لحظة الوداع لأمته في الدنيا ولحظة الاستقبال لها في الآخرة على حوضه الموعود .
ولقد شاءت حكمة اللّه أن يكون هذا المشهد هو الصلاة ! . .
وشاءت إرادة اللّه تعالى أن تكون هي العهد الأخير . .
فيا أخي المسلم : العهد العهد الذي فارقت عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو راض يتبسّم .
هامش
( 26 ) النووي على مسلم : 5 / 13 ، 14