للتأمل في تلك القبور التي سيغيبون في أحشائها والتربة التي سيمتدون من تحتها ، وفي القبضة التي سوف لن ينجوا من حكمها .
ولقد كان من اليسير على اللّه عز وجل أن يجعل مرتبة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فوق مستوى الموت وآلامه ، ولكن الحكمة الإلهية شاءت أن يكون قضاء اللّه تعالى في تجرع هذا الكأس بشدتها وآلامها عاما لكل أحد مهما كانت درجة قربه من اللّه جلّ جلاله ، حتى يعيش الناس في معنى التوحيد وحقيقته ، وحتى يدركوا جيدا أن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، فليس لأحد أن يتمطى ليعلو بنفسه عن مستوى العبودية بعد أن عاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خاضعا لحكمها ونزل به قضاؤها . وليس لأحد أن لا يكثر من ذكر الموت وسكرته ، بعد أن عانى حبيب اللّه تعالى من برحائها وغشيته آلامها .
وهذا المعنى هو ما أوضحه كلام اللّه جلّ جلاله :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر 39 / 30 ] .
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ، أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
[ الأنبياء 21 / 134 ، 135 ] .
وإذن فنحن في هذا القسم الأخير من سيرته عليه الصلاة والسلام أمام مشهد لحقيقتين هما دعامتا الإيمان باللّه عز وجل ، بل هما دعامتا الحقيقة الكونية كلها :
حقيقة توحيد اللّه عز وجل ، وحقيقة العبودية الشاملة التي فطر اللّه الناس كلهم عليها ، ولا تبديل لحكم اللّه وأمره .
* * * والآن . . فلنستعرض ما يوجد في ثنايا هذا البحث من الدروس الأحكام .
أولا - لا مفاضلة في حكم الإسلام إلا بالعمل الصالح :
فقد كان زيد بن حارثة رقيقا وهو والد أسامة هذا ، وهو في أصله مولى ، وكان أسامة كما قلنا فتى صغيرا بين الثامنة عشر والعشرين من العمر . ومع ذلك فلا الصغر ولا الرق القديم منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أن يجعله أميرا على عامة الصحابة في غزوة مهمة كبرى ! . . ولئن وجد المنافقون في هذا مثارا للتعجب أو الاستنكار ، فإن شريعة الإسلام لا تستغرب ذلك ولا تستنكره ، فما جاء الإسلام إلا ليحطم مقاييس الجاهلية التي كانوا بها يتفاضلون ويتفاوتون . ولعلّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجد في أسامة ميزة جعلته أولى من غيره بقيادة الجيش في هذه الغزوة . وليس على المسلمين في هذا الحال إلا السمع والطاعة وإن أمّر عليهم عبد حبشي ، ولذلك كان أول عمل قام به أبو بكر رضي اللّه عنه في خلافته هو إنفاذ جيش أسامة . وخرج رضي اللّه عنه فشيّع جيشه بنفسه ماشيا وأسامة راكب ، فقال له أسامة : يا خليفة رسول اللّه ، لتركبن أو لأنزلن . فقال أبو بكر : واللّه