تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني وهنأني ، واللّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة ، قال كعب : فلما سلمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك . قال : قلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ قال : لا بل من عند اللّه . فقلت : يا رسول اللّه ! إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه ورسوله . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . فقلت : يا رسول اللّه إنما نجاني الصدق ، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت . وأنزل اللّه تعالى على رسوله :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
إلى قوله :
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
« 108 » [ التوبة 9 / 117 - 119 ] » .

العبر والعظات :

أولا - كلمة على هامش هذه الغزوة :

لقد أخذ الإسلام يستقر في الجزيرة العربية ، واستولى سلطانه على الأفئدة والنفوس وهذا ما كانت نصارى الروم تراقبه من بعيد في خوف وقلق . فالرومان ، لم يعانقوا النصرانية إيمانا منهم بها ، وإنما كانوا قد اتخذوها ذريعة إلى استعمار شعوب تلك المنطقة ، ولأجل ذلك تلاعبوا بها كما أرادوا ، وغيروا منها وبدلوا ، فخلطوا هديها بوثنيتهم وأضافوا إلى ما فيها من الحق الكثير من باطلهم . والإسلام - وهو الدين الذي تكررت الدعوة إليه على لسان جميع الرسل والأنبياء - إنما جاء ليخرج به الناس عن كل سلطان غير سلطان اللّه تعالى ، فلا يكون لأحد عليهم من سيادة ولا سلطان ولا حكم إلا سلطان اللّه وحكمه . وهم - وقد علموا من النصرانية كل حقائقها - أدرى الناس بخطورة هذه الرسالة الأخيرة وما تحمل في طيها من تهديد لحكم الطغاة وسلطان المتسلطين وبغي الباغين . فلا غرو أن يكون هذا الدين - وقد استقر أمره في الجزيرة العربية - مصدر قلق وتخوف لدى طغاة الروم وأتباعهم الذين ما دخلوا النصرانية إلا ظاهرا ، وما أرادوا من ذلك إلا ضمان بسط سلطانهم على المستضعفين . فمن أجل ذلك تلقوا خبر فتح مكة ونبأ انتصار الإسلام في الجزيرة العربية بالذعر ، ثم أخذوا يجمعون جموعهم بين الشام والحجاز ، علّهم يقفون في وجه هذا الدين الذي سيكون في انتشاره القضاء عليهم وعلى سلطانهم .
هامش
( 108 ) البخاري ومسلم ، باختصار .