تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
فغزوة خيبر أول غزوة بدأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأغار بها فجأة على اليهود الذين استوطنوا بقاع خيبر ، دون أن يبدأوا المسلمين بأي محاربة أو قتال . لقد كان السبب الوحيد لها هو دعوة اليهود إلى الإسلام ، ومحاربتهم على كفرهم وعنادهم عن قبول الحق وأحقادهم المعتلجة في صدورهم على الرغم من الدعوة السلمية التي قامت مدة طويلة على الأدلة والبراهين . ولذلك بات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الليلة الأولى من وصوله إلى خيبر دون أن يشعر أحدا بوجوده أو أن يقاتل أحدا ، وانتظر حتى إذا أصبح ولم يسمع أذانا إلى الصلاة - وهي الشعيرة الإسلامية الكبرى - أغار عليهم وقاتلهم على ذلك . وقد قلنا إنه كان إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار . ويزداد هذا السبب وضوحا إذا تأملت في سؤال علي رضي اللّه عنه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن أعطاه اللواء : « أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ وفي جوابه صلّى اللّه عليه وسلم إذ قال : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه » . ولقد استنبط العلماء من غزوة خيبر هذه الدلالات وأحكاما كثيرة مختلفة ، نذكر فيما يلي جملة منها : أولها : ( جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها ، بدون إنذار سابق أو دعوة مجددة ) ، وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء ، فذلك ما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في إغارته على خيبر . وأما بلوغ الدعوة وتفهّم الإسلام فهما صحيحا على وجهه فهو شرط بالاتفاق . ثانيهما : ( تقسيم الغنائم على الأساس الذي ورد ذكره ) ، وهو تقسيم أربعة أخماسها بين الغانمين يعطى للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم ؛ سهم له واثنان لفرسه « 23 » . والخمس الباقي يوزع أخماسا على من نصت عليهم الآية القرآنية :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[ الأنفال 8 / 41 ] ، وسهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من هذا الخمس يوزع من بعده على مصالح المسلمين كما ذهب إلى ذلك الشافعية والحنفية ، وقيل يختص به الخليفة فيصرفه فيما يراه ، والقولان متقاربان . ثالثها : ( جواز إشراك غير المقاتلين في الغنيمة ممن حضر مكان القتال ) ، وذلك بعد استئذان أصحاب الحق فيها . فقد أشرك النبي صلّى اللّه عليه وسلم جعفر بن أبي طالب ومن معه في الغنائم ، بإذن من الصحابة ، حينما عادوا من الحبشة واليمن . واعلم أن رواية البخاري في هذا خالية عن التقييد باستئذان المسلمين ، ولكن زاد البيهقي في
هامش
( 23 ) ذهب أبو حنيفة إلى أن للفارس سهمين ، سهم له وآخر لفرسه . وهو محجوج بما ذكرنا من تقسيم النبي صلّى اللّه عليه وسلم لغنائم خيبر .
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 246 | محمد سعيد رمضان البوطي