تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وإذا علمت أن التّبرك بالشيء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ، فضلا عن التّوسل بذاته الشريفة .
هامش
للإنسانية السامية الصافية عن الشوائب ، وللذوق الرفيع في مقاييس المعاملة والسلوك ، وللإحساس المرهف في رعاية الآخرين والاهتمام بهم ، وللنظافة والرتابة وأناقة الشكل والمظهر ، وللتواضع المتناهي أمام كل فئات أصحابه . لم يكن يستقبل الوافدين إليه إلا بأنظف الثياب وأبهى الحلل . كان أشدّ ما يكون حرصا على أن لا يرى الناس منه إلا ما تسرّ به العين ، وأن لا تقع أنوفهم منه إلا على أطيب رائحة . وقد ثبت أنه كان ينفق جلّ ماله في الطيب . لم يكن يأكل ثوما أو بصلا ، أو أي طعام يتأذى الناس منه برائحة كريهة . ولما كان ضيفا في دار أبي أيوب الأنصاري ، في أيامه الأولى من هجرته إلى المدينة ، وعادت قصعة الطعام من عنده مرّة دون أن يطعم منها شيئا ، فزع أبو أيوب وهرع إلى رسول اللّه يسأله عن سبب ذلك ، فقال : « لقد شممت فيه رائحة تلكم الشجرة ( أي الثوم ) وأنا أناجى ( أي يزورني الناس وأحادثهم ) أما أنتم فكلوا » . وكان إذا مضى لقضاء حاجة ، أبعد ، ثم أبعد ، حتى لا يقع الناس منه على أثر . وكان يرجّل شعره ، ويتعهد فمه وأسنانه ؛ وربما أبصر صفرة في أسنان بعض جلسائه ، فتوجه إلى الجميع بنصيحة عامة ونقد رفيق ، وقال : « مالكم تأتونني قلحا لا تتسوكون ؟ » . هذا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، في بعض ما تتحدث عنه شمائله المعبرة عن سموّ أخلاقه ، ورقة شعوره ، وشفافية ذوقه ، ونبل إحساسه . فهل ترى في هذه اللوحة الإنسانية النموذجية ، مساحة ما ، لقبول أي عبث أو تزوير وتشويه ؟ إذن فليس في شيء من حديث عروة بن مسعود عن حبّ الصحابة لرسولهم ، ما يلحق بالرسول أي منقصة في طبعه ، أو يصمه بأي غلظة في تعامله وسلوكه ، أو يبرزه في مظهر المدلّ زهوا على أصحابه ، أو الدافع لهم إلى ما فعلوا . * * * فإن أراد هذا الرجل أن يتحول ، بعدئذ ، بالنقد والاشمئزاز إلى أولئك الناس الذين ساقهم الحب إلى ما صنعوا ، فإنّ عليه أن يتبيّن قبل كل شيء خصمه الحقيقي الذي أثار في نفسه بواعث النقد والاشمئزاز حتى لا يتهم البرآء ظلما وعدوانا . وإنما خصمه في هذه الدعوى هو الحب ! . . . الحب هو الذي حمل أولئك الناس على فعل ما وصفه عروة بن مسعود ، وفعل ما هو أبلغ من ذلك ! . . والحب ، هو الذي ليّن تحت سلطانهم الحديد ، وقرب إليهم البعيد ، وجعل المستحيل بين أيديهم ممكنا ، وجعل القبح جميلا ، والملح الزّعاق حلوا طيب المذاق ! . . هذا هو شأن الحب ، وذلك هو جبروته وسلطانه . فإن علم هذا الرجل ، أن في نواميس هذه الحياة سلطانا أقوى نفوذا إلى النفوس ، وهيمنة على القلوب من سلطانه ، فليشكه إليه ، وليستعده عليه ، وليصف له اشمئزاز نفسه ، من هذا الذي يفعله الحب ، بنفوس الناس ، ومن العمل الذي يحملهم عليه ! . . . ولكن يا عجبا ! . . يرى ويعلم هذا الرجل وأمثاله ما يفعله الحب الأرعن بأصحابه ، أعني ذلك الحب الذي يتسلل إلى القلب في غفلة من العقل ، أو مع تحدّ للعقل وأحكامه ، إذ يسوقه إلى شذوذات عجيبة في السلوك ويزجّه في أوحال من المهانة والقذارة التي يشمئز من بيانها البيان ، فلا يستعظم من ذلك شيئا ، ولا تشعره نفسه الحساسة بأي قرف أو