تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
يصبر عمر حتى أتى أبا بكر رضي اللّه عنه فسأله مثل ما سأل النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له يا ابن الخطاب ، إنه رسول اللّه ولن يعصي ربّه ولن يضيّعه اللّه أبدا . فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها . فقال : يا رسول اللّه ، أو فتح هو ؟ ! . . قال : نعم ، فطابت نفسه » « 6 » . ثم إن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال لهم : « قوموا فانحروا ثم احلقوا - وكرر ذلك ثلاثا - فوجم جميعهم وما قام منهم أحد ، فدخل على زوجته أم سلمة ، وذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت له : يا رسول اللّه أتحب ذلك ؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك : نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم . ثم جاء نسوة مؤمنات ( بعد انصرافه إلى المدينة ) مهاجرات بدينهن ، بينهن أم كلثوم بنت عقبة ، فأنزل اللّه تعالى قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ ، فَامْتَحِنُوهُنَّ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
[ الممتحنة 60 / 12 ] . فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يردهنّ بدينهن إلى الكفار » « 7 » .

بيعة الرضوان

وكان قد أرسل النّبي صلّى اللّه عليه وسلم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه إلى قريش قبل كتابة الصلح ليكلمهم في الأمر ، فاحتبسته قريش عندها مدة ، وبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك أن عثمان بن عفان قد قتل ، فقال لا نبرح حتى نناجز القوم ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنا لك . فكان صلّى اللّه عليه وسلم يأخذ بيد أصحابه الواحد منهم تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفرّوا . وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيد نفسه ، وقال : « هذه عن عثمان » . ولما تّمت البيعة ، انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الذي بلغه من مقتل عثمان باطل .

العبر والعظات :

كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح :

قبل أن نخوض في تفصيل ما ينبغي أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامها ، نقول في كلمة وجيزة : إن أمر هذا الصلح كان مظهرا لتدبير إلهي محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجلّ في أي عمل أو تدبير آخر . فقد كان نجاحه سرّا مرتبطا بمكنون الغيب
هامش
( 6 ) متفق عليه . ( 7 ) صحيح البخاري .