غزوة الخندق
وتسمّى بغزوة الأحزاب ، وقد كانت في شوال سنة خمس على ما جزم به ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وجمهور علماء السيرة ، وقيل في سنة أربع من الهجرة . وقد تفرد به موسى بن عقبة ورواه عنه البخاري وتابعه في ذلك مالك « 67 » .
سببها : أن نفرا من زعماء اليهود من بني النضير خرجوا حتى قدموا مكة ، فدعوا قريشا إلى حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقالوا : « سنكون معكم حتى نستأصله ، وقالوا لهم إن ما أنتم عليه خير من دين محمد صلّى اللّه عليه وسلم » ففيهم نزل قول اللّه تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
[ النساء 4 / 51 ، 52 ] ، فاتفقوا مع قريش على حرب المسلمين وتواعدوا لذلك .
ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشا إليه ، ولم يزالوا بهم حتى وافقوهم على ذلك ثم التقوا ببني فزارة وبني مرة ، وتمّ لهم مع هؤلاء جميعا تواعد في الزمان والمكان لحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 68 » .
تهيؤ المسلمين للحرب ، فلما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخبر وسمع بخروجهم من مكة ، ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في الأمر ، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين ( والخندق مما لم يكن يعلمه العرب من وسائل الحرب ) فخرجوا من المدينة وعسكر بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم ، ثم هبوا جميعا يحفرون الخندق بينهم وبين العدو . كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، وعدد ما اجتمع من قريش والأحزاب والقبائل الأخرى عشرة آلاف « 69 » .
مشاهد من عمل المسلمين في حفر الخندق : روى البخاري عن البراء رضي اللّه عنه قال :
« لما كان يوم الأحزاب ، وخندق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر » ، وروي عن أنس رضي اللّه عنه أن الأنصار والمهاجرين كانوا يرتجزون وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم :
نحن الذين بايعوا محمدا * على الإسلام ما بقينا أبدا
فيجيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم :
هامش
( 67 ) انظر ذلك في فتح الباري : 7 / 275 والفتح الرباني بترتيب الإمام أحمد : 21 / 76
( 68 ) سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد باختصار .
( 69 ) طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام .