ولكن على أيّ منهج اعتمد كتّاب السيرة في تاريخها وتدوينها ؟
لقد كان منهجهم المعتمد في ذلك اتباع ما يسمى اليوم بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ ، طبق قواعد علمية سنشير إليها .
ومعنى هذا أن كتّاب السيرة النبوية وعلماءها ، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة ، إلا تثبيت ما هو ثابت منها ، بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن ، وفي قواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم .
فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية إلى أخبار ووقائع ، وقفوا عندها ، ودونوها ، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعاتهم النفسية أو مألوفاتهم البيئية إلى شيء من تلك الوقائع بأي تلاعب أو تحوير .
لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التي يتم الوصول إلى معرفتها ، ضمن نفق من هذه القواعد العلمية التي تتسم بمنتهى الدقة ، حقيقة مقدسة ، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هي ، كما كانوا يرون أن من الخيانة التي لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية والرغبات النفسية التي هي في الغالب من انعكاسات البيئة ومن ثمار العصبية ، حاكّم مسلّط يستبعد منها ما يشاء ويحوّر فيها كما يريد .
ضمن هذه الوقاية من القواعد العلمية ، وعلى ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ ، وصلت إلينا سيرة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم بدءا من ولادته ونسبه ، إلى طفولته ، فصبوته اليافعة ، إلى الإرهاصات الخارقة التي صاحبت مراحل طفولته وشبابه ، إلى بعثته وظاهرة الوحي التي تجلت في حياته ، إلى أخلاقه وصدقه وأمانته ، إلى الخوارق والمعجزات التي أجراها اللّه تعالى على يده ، إلى مراحل الدعوة التي سار فيها لتلبية أمر ربه ؛ من سلم ، فدفاع ، فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلى اللّه تعالى أيّ تهديد ، إلى الأحكام والمبادئ الشرعية التي أوحي بها إليه ، قرآنا معجزا يتلى ، وأحاديث نبوية تشرح وتبين .
لقد كان العمل التاريخي إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته صلّى اللّه عليه وسلم ، ينحصر في نقلها إلينا محفوظة مكلوءة ، ضمن تلك الوقاية العلمية التي من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله ، ومن حيث الرجال وتراجمهم ، ومن حيث المتن أو الحادثة وما قد يطوف بها من شذوذ ونحوه .
أما عملية استنباط النتائج والأحكام والمبادئ والمعاني من هذه الأخبار ( بعد القبول التام لها ) فعمل علمي آخر لا شأن له بالتاريخ ، وما ينبغي أن يمزج به بحال من الأحوال .
إنه عمل علمي متميز ، ومستقل بذاته ، ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى ، من شأنها أن
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 20
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص٢٠