تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
من أجل هذه الحقيقة لم تستطع الحكومة الأمريكية أن تلتزم بما آمنت به واعتقدت بفائدته يوم أقدمت على تحريم الخمر ومنع مداولتها في المجتمعات والنوادي ، وذلك عام 1933 م ، إذ لم تمض سوى فترة وجيزة حتى نكص المقننون على أعقابهم ، وارتدّوا مترنحين من ألم الحرمان فألغوا القانون الذي التزموه وراحوا يعبّون أقداحهم من جديد . . هذا على حين أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - وهم من هم من الثقافة والمدنية ومعرفة الأضرار والفوائد بالنسبة للأمريكيين اليوم - عمدوا بمجرد أن سمعوا أمر اللّه عز وجل لهم باجتناب الخمر ، إلى دنان الخمر فأراقوها وإلى الأقداح فكسروها ، وارتفعت أصواتهم تقول : « انتهينا يا رب انتهينا ! » . . . والفرق بين الصورتين والواقعتين ، أن ههنا شيئا قد وقر في القلب فكان هواه تبعا لأمر اللّه وأحكامه . هذه المحبة ، بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي جعلهم يمدون نحورهم دون نحر رسول اللّه ويعانقون الموت في سبيل حفظ حياته عليه الصلاة والسلام . وكم في غزوة أحد من المشاهد الرائعة التي تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها . روى ابن هشام أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول اللّه ما فعل سعد . فنظر ، فإذا هو جريح في القتلى وبه رمق . فقال له : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ! . . قال : أنا في الأموات ، فأبلغ رسول اللّه عني السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك : جزاك اللّه عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند اللّه إن خلص إلى نبيكم صلّى اللّه عليه وسلم وفيكم عين تطرف . قال الأنصاري : فلم أبرح حتى مات » . ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من هذه المحبة ، بحيث تبعدهم قليلا عن شهواتهم وأنانيتهم ، وتتغلب عليها ، أقول : يوم يحدث هذا في أفئدة المسلمين فإنهم يصبحون خلقا آخر جديدا ، وسينتزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم ، مهما كانت العقبات والسدود . وإذا سألت عن السبيل إلى مثل هذه المحبة ، فاعلم أنها في كثرة الذكر وكثرة الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي كثرة التأمل والتفكر في آلاء اللّه ونعمه عليك ، وفي سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخلاقه وشمائله ، وهذا كله بعد الاستقامة على العبادات في خشية وحضور ، والتبتل إلى اللّه عز وجل بين الحين والآخر .
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 183 | محمد سعيد رمضان البوطي