فهذه العبودية التي اتخذت مظهرها الرائع في طول دعاء النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وشدة ضراعته ومناشدته لربّه أن يؤتيه النصر ، هي الثمن الذي استحق به ذلك التأييد الإلهي العظيم في تلك المعركة . وقد نصّت على ذلك الآية الكريمة إذ تقول :
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
[ الأنفال 8 / 9 ] . ويقينا منه صلّى اللّه عليه وسلم بهذه العبودية للّه عزّ وجلّ ، كان واثقا بالنصر مطمئنا إلى أن العاقبة للمسلمين . ثم قارن مظهر العبودية التي تجلت في موقفه صلّى اللّه عليه وسلم ونتائج ذلك ، مع مظهر ذلك الطغيان والتّجبر الذي تجلى في موقف أبي جهل حينما قال : « لن نرجع عن بدر أبدا حتى ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا » ، وتأمل في نتائج ذلك التجبر والجبروت ! . .
لقد كانت نتيجة العبودية والخضوع للّه تعالى ، عزة قعساء ومجدا شامخا خضع لهما جبين الدنيا بأسرها ، ولقد كانت نتيجة الطغيان والجبروت الزائفين قبرا من الضيعة والهوان أقيم لأربابهما حيث كانوا سيتساقون فيه الخمر وتعزف عليهم القيان . وتلك هي سنة اللّه في الكون كلما تلاقت عبودية للّه خالصة مع جبروت وطغيان زائفين .
7 - ( الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ) : انطوت بدر على معجزة من أعظم معجزات التأييد والنصر للمسلمين الصادقين . فقد أمدّ اللّه المسلمين فيها بملائكة يقاتلون معهم . وهذه حقيقة ثبتت بدلالة صريحة من الكتاب والسّنة الصحيحة . روى ابن هشام أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم خفق خفقة في العريش ثم انتبه فقال : « أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر اللّه هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على النقع » ورواه البخاري أيضا بلفظ قريب منه « 8 » .
ومن أوضح الأدلة القاطعة على أن التعبير بالملائكة في بيان اللّه عزّ وجلّ ليس المقصود به ما يتوهمه بعضهم من المدد الروحي أو القوة المعنوية أو نحو ذلك - أقول من أوضح الأدلة القاطعة على بطلان هذا الوهم - ضبط البيان الإلهي الملائكة بعدد محدود وهو الألف ، في قوله عزّ وجلّ :
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
[ الأنفال 8 / 9 ] . إذ العدد من مستلزمات الكم المنفصل في الأشياء ، ولا يكون ذلك إلّا في الأشياء المادية المحسوسة .
ومن هنا نعلم أن تقييد البيان الإلهي الملائكة بعدد معين ينطوي على حكم باهرة من أجلّها قطع السبيل على من يريد أن يتناول الآية ، ويفسر الملائكة بالمعنى الذي يروق له وهو مجرد الدعم المعنوي .
هامش
( 8 ) ولفظه في البخاري ، أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : هذا جبريل آخذ بزمام فرسه عليه أداة حرب . راجع صحيح البخاري : 5 / 14