بدء القتال
أول غزوة غزاها رسول اللّه
قلنا فيما مضى إن أصح ما دلت عليه الأحاديث والآثار أن بدء مشروعية القتال إنما كان بعد الهجرة ، ولقد وضعت هذه المشروعية موضع التنفيذ في شهر صفر على رأس اثني عشر شهرا من هجرته صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . فقد خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك لأول مرة بقصد الغزو . وكانت الغزوة إذ ذاك : غزوة ودان ، يريد قريشا وبني حمزة ، ولكنه عليه الصلاة والسلام كفي القتال فقد وادعه بنو حمزة ، وعاد النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وصحبه إلى المدينة دون قتال .
غزوة بدر الكبرى
وسببها أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم سمع بعير تجارية لقريش قادمة من الشام بإشراف أبي سفيان بن حرب ، فندب المسلمين إليها ، ليأخذوها لقاء ما تركوا من أموالهم في مكة ، فخفّ بعضهم لذلك وتثاقل آخرون ، إذ لم يكونوا يتصورون قتالا في ذلك .
وتحسّس أبو سفيان الأمر وهو في طريقه إلى مكة ، فبلغه عزم المسلمين على خروجهم لأخذ العير ، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليخبر قريشا بالخبر ويستنفرهم للخروج محافظة على أموالهم .
فبلغ الخبر قريشا ، فتجهزوا سراعا ، وخرج كلهم قاصدين الغزو ، حتى إنه لم يتخلف من أشراف قريش أحد ، وكانوا قريبا من ألف مقاتل .
وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان مع أصحابه وكانوا ، فيما رواه ابن إسحاق ، ثلاث مئة وأربعة عشر رجلا ، وكانت إبلهم سبعين ، يتعاقب على الواحدة منها اثنان أو ثلاثة من الصحابة ، وهم لا يعلمون من أمر قريش وخروجهم شيئا ، أما أبو سفيان فقد أتيح له أن يحرز عيره ، إذ سلك طريق الساحل إلى مكة وجعل ماء بدر عن يساره ، وأخذ يسرع حتى أنجى عيره وتجارته من الخطر .
ثم إن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أتاه خبر مسير قريش إلى المسلمين ، فاستشار من معه من أصحابه ، فتكلم المهاجرون كلاما حسنا ، وكان منهم المقداد بن عمرو ، فقد قال : « يا رسول اللّه ! امض لما أمرك اللّه فنحن معك » . ولكن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ظل ينظر إلى القوم ويقول لهم : « أشيروا عليّ أيها الناس » . فقال له سعد بن معاذ : « واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه » ، قال : « أجل » ، فقال