يفارقني « 1 » .
كانت رحلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم الأولى إلى الشام عجيبة ورائعة تستحق العناية الفائقة :
فلما وصل ركب أبي طالب ورسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم إلى صومعة الراهب بحيرى نظر الراهب اليه قائلا : أنت أنت .
ولما نزلوا تحت شجرة عظيمة قليلة الأغصان ليس لها حمل ، اهتزت الشجرة وألقت أغصانها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم وحملت ثلاثة أنواع فاكهة صيفية وشتوية فتعجب الحضور .
وقدم بحيرى طعاما قليلا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم فأكله مع مئة وسبعين رجلا فشبعوا ، فقال بحيرى لأصحاب الركب : إنّ تحت هذه الشجرة غلاما لو كنتم تعلمون منه ما أعلم لحملتموه على أعناقكم حتى تردوه إلى وطنه وقد أقبل نور من أمامه ما بين السماء والأرض ، وهذه السحابة لا تفارقه ، وكثرت أغصان هذه الشجرة وكانت يابسة .
وطلب بحيرى من النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم الإجابة عن ثلاثة أسئلة فأجابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : فأقسم عليه في واحدة باللات والعزى فرفض محمد صلّى اللّه عليه واله وسلّم ذلك وأعلن تنفره منهما . فقال بحيرى :
هذه واحدة .
وسأله عن نومه ويقظته وغير ذلك فأجابه ، فأكب عليه بحيرى يقبل رجليه قائلا : كأني بك قد قدت الأجناد ، وتبعك العرب والعجم ، وكسرت اللات والعزى ، وتبعك الملوك ، بعد أن رمتك العرب بوترها وقطعك الأقارب .
وطلب من عمه أبي طالب ردّه إلى مكة قائلا : لم يبق على ظهر الأرض يهودي ولا نصراني ولا صاحب كتاب إلّا وقد علم بولادة هذا الغلام ولئن رأوه وعرفوا منه ما قد عرفت أنا منه ليبغينّه شرّا ، وانه كائن لا بن أخيك الرسالة والنبوة ويأتيه الناموس الأكبر الذي أتى موسى وعيسى عليهما السّلام « 2 » .
ثم التقوا بالحبر نسطور في الشام فجلس امامه وتغير لونه من سماع اسمه ( محمد ) ، ولما رأى خاتم النبوة على ظهره أكبّ عليه يقبّله ويبكي ثم قال : لو تدري كم عدوّ له في أرضنا
هامش
( 1 ) عيون الأثر 1 / 61 ، وقالوا : كان عمره اثنتي عشرة سنة ، أسد الغابة 1 / 15 .
( 2 ) سيرة ابن هشام : 1 / 191 .