تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
بالمعلومات والأدلة على أن أباطرة بيزنطة كانوا يضعون الوفود الإسلامية ومبعوثي الخلفاء في مرتبة أعلى من جميع الوفود الأجنبية التي كانت تأتي لمقابلتهم « 1 » . وهناك أنموذج آخر من نماذج حسن العلاقات بين الدولتين ، وجنوح العاهلين الكبيرين إلى السلام ، ونختم به هذا البحث ، وذلك هو ما حدث بين الخليفة المأمون ابن الرشيد وبين الإمبراطور تيوفيلوس ، فقد بدأت صفحة علاقاتهما عدائية ، كما هو الحال بالنسبة للرشيد ونقفور ، ولكن سرعان ما جنحا إلى السلام ، وحسن الجوار ، وقد سبق أن ذكرنا بعض الرسائل التي تبادلاها لتحقيق تلك الأهداف والآن نشير إلى وفد حضر من قبل الإمبراطور إلى بغداد محملا بالهدايا إلى الخليفة المأمون . لقد كان الوفد رفيع المستوى ، رأسه أحد رجال البلاط البيزنطيين البارزين ويدعى يوحنا ، ومما يلفت النظر أنه قيل : إن من بين أسباب حضور ذلك الوفد إلى بغداد إعلام الخليفة المأمون بارتقاء تيوفيلوس عرش الإمبراطورية « 2 » ، وهذا في حد ذاته دليل واضح على الميل إلى توطيد العلاقات بين أكبر حاكمين في العالم في زمانهما . وقيل : إن من بين أهداف الوفد أنه كان مكلفا من الإمبراطور شخصيّا بالاطلاع على المنشات والقصور التي بناها العباسيون في بغداد ، ورسم نماذج لها لبناء مثلها في القسطنطينية ؛ لأن الإمبراطور نفسه كان معجبا بالحضارة الإسلامية بصفة عامة والفنون المعمارية الإسلامية بصفة خاصة ، وقد قام المبعوث الإمبراطوري بهذه المهمة ، يقول أكبر مؤرخي الإمبراطورية الرومانية جيبون : « وقد سمح اقتصاد الإمبراطور تيوفيلوس بحال أكثر حرية وسعة في الترف والبهاء الداخلي ، وقدم سفير مقرّب ، كان قد أدهش العباسيين بكبريائه وكرمه وقدم بعد عودته أنموذجا لقصر كان خليفة بغداد قد شيده حديثا على شواطئ نهر دجلة ، فحوكي الأنموذج في التوّ ، وزيد عليه » « 3 » . وهذا برهان على تأثير الحضارة الإسلامية في الحضارة البيزنطية في فنون العمارة بعد أن كان المسلمون هم الذين يأخذون نماذج من الفنون المعمارية البيزنطية ويتأثرون بها ، ولا ضير من ذلك على أي من الحضارتين ، فالأخذ والإعطاء ، والتأثير والتأثر
هامش
( 1 ) فازيليف - العرب والروم ( ص 19 ) - مرجع سابق . ( 2 ) د . محمد فتحي عثمان - الحدود الإسلامية البيزنطية ( 2 / 398 ) مرجع سابق ، وفازيليف - العرب والروم ، مرجع سابق هامش ( ص 93 ) . ( 3 ) جيبون - اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها ( 3 / 111 ) .