تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
بل إن التاريخ يحدثنا أن الشعوب التي انضوت تحت الحكم الإسلامي نعمت بنوع من الحرية والعدل والتسامح لم تعرفه طوال تاريخها ، وهذه شهادة مؤرخ أوربي لا يمكن أن يتهم بأنه متحيز للإسلام ، يقول توماس آرنولد : « أما ولايات الدولة البيزنطية التي سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم فقد وجدت أنها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة . . . فقد سمح لهم أن يؤدوا شعائر دينهم دون أن يتعرض لهم أحد » « 1 » . نظرة الإسلام إذن إلى العلاقات الدولية نظرة إنسانية عالمية ، لحمتها المساواة وسداها السلام والعدل . ذكرنا آنفا أن من الأسس التي تقوم عليها مبادئ القانون الدولي العام ؛ المعاهدات والاتفاقيات التي تحدد العلاقات بين الدول في حالتي السلم والحرب . وأهم من المعاهدات والمواثيق نفسها الوفاء بها ورعايتها ، والالتزام بحدودها ؛ لأن معظم الكوارث التي حلّت بالعالم لم تأت في الواقع من ناحية غياب العهود والمواثيق التي تنظم علاقات الدول ، ولكن أتت من ناحية نكث ساسة الدول وزعمائها بالمعاهدات ونقضها والتنكر لها إذا تعارضت مع مصالحهم الذاتية « 2 » . وهنا يبرز لنا الإسلام سامقا وشامخا في رعايته لعهوده ومواثيقه ، وحرصه على الوفاء بها حرصا لم يسبق له مثيل في أي تشريع آخر ، مهما كان في الوفاء بالعهد من أضرار مادية أو معنوية تعود على المسلمين ؛ ذلك لأن الوفاء بالعهد والميثاق ، في مجال العلاقات الدولية من وجهة نظر الإسلام ليس مبدأ أخلاقيّا فحسب ، بل هو واجب ديني ، أي : عبادة يتقرب بها إلى اللّه سبحانه وتعالى ، ويثاب المسلم على فعله ، ويعاقب على تركه ؛ فالعهد الذي يرتبط به المسلم مع غيره لا يرتبط به مع الناس فحسب ، بل هو مسؤول عنه أمام اللّه ، واللّه كفيل المسلم ، وشهيد على عهوده ومواثيقه والتزاماته تجاه الآخرين . ولقد شدد القرآن الكريم تشديدا بالغا على مبدأ الوفاء بالعهد ، وآيات القرآن الكريم التي تشير إلى ذلك أكثر من أن تحصى هنا وعندما يقول اللّه تعالى :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 34 ] فهو ينبه المسلمين إلى ضرورة الوفاء بالعهد على إطلاقه أيّا كان ومع أيّ كان ، وفي جميع الأحوال والظروف . فإذا ارتبط المسلم بعهد وألزم نفسه
هامش
( 1 ) توماس آرنولد ، الدعوة إلى السلام ( ص 74 ) . ( 2 ) قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939 م كانت هناك معاهدة عدم اعتداء بين روسيا الشيوعية وآلمانيا النازية ، فماذا كان مصير هذه المعاهدة ؟