ومن الجدير بالذكر أن المسلمين عندما فكروا في بدء التاريخ الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب اختاروا الهجرة من بين المقترحات الآخرى ، هذا يدل على أنهم نظروا إلى بدء قيام الدولة الإسلامية « 1 » أو تمام الدين والدولة في الدعوة الإسلامية ولقد كان اختيار الهجرة للتقويم اختيارا موفقا ؛ فهي في الحق استهلال لتاريخ جديد وإعلان لقيام دولة جديدة ، ولو اختير مولد الرسول - مثلا لهذا التقويم - كما حدث بالنسبة لميلاد المسيح عليه السّلام في التقويم الميلادي ، لما كان في الاستهلال بالمولد غير دلالة عاطفية فحسب ، في حين أننا نجد في الهجرة وما ترتب عليها من نتائج تشخيصا إيجابيّا أقوى دلالة ؛ لأنه يبرز الكيان الفكري والعملي للدعوة الإسلامية في صورة حية واقعية ملموسة ومحسوسة ، والهجرة من هذه الوجهة أقوى دلالة من بدء الدعوة ونزول الوحي أيضا ؛ فإن الدعوة قد بدأت بين الأقربين ثم أخذ نطاقها يتسع على مراحل ، في حين أن الهجرة كانت حدثا هامّا قامت على أثرها دولة شعرت بها بلاد العرب من بعد « 2 » .
كانت الهجرة إذن هي التي هيأت الظروف لقيام الدولة الإسلامية التي قامت عالمية منذ البداية « 3 » ؛ عالمية في وثائق تأسيسها ، وفي أصولها ومبادئها ، وكذلك في عناصر تركيبها السكاني ؛ فكما ضمت العرب من قريش ويثرب واليهود ضمت سلمان الفارسي وصهيبا الرومي وبلالا الحبشي « 4 » ، ولعل هؤلاء كانوا رموزا لأممهم وشعوبهم التي سيدخل معظمها ضمن دولة الإسلام بعد سنوات قلائل .
وقد أعفى الإسلام في بناء دولته - الكبرى - على روابط العنصرية والقومية فأهدرها ؛ توسعا في ربط الإنسانية ، وأهدر الإخاء القبلي والإقليمي ، وأقام مقامه الإخاء البشري « 5 » .
هامش
( 1 ) د . محمد فتحي عثمان - دولة الفكرة التي أقامها رسول الإسلام عقب الهجرة ( ص 6 ) مكتبة وهبة - القاهرة .
( 2 ) المرجع السابق ، الصفحة نفسها .
( 3 ) د . محمد البهي : الدين والدولة من توجيه القرآن الكريم ( ص 490 ) دار الفكر - بيروت ( سنة 1971 م ) .
( 4 ) دولة الفكرة ( ص 61 ) .
( 5 ) صادق عرجون - نظام الحكم في الإسلام ( ص 30 ) مكتبة وهبة - القاهرة .