وبعد أن قسم النبي غنائم حنين على أصحابه عاد إلى المدينة مظفرا في شهر ذي الحجة ليتابع الموقف في الشمال مع الروم ، وهنا جاءته الأخبار بأن الروم يستعدون للهجوم على ديار الإسلام ، فكانت غزوة تبوك في رجب من العام التاسع للهجرة .
* الأسباب المباشرة لغزوة تبوك :
السبب المباشر لغزوة تبوك يرويه ابن سعد في الطبقات على النحو التالي فيقول :
« بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام ، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة ، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء ، فندب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الناس إلى الخروج ، وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك ، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وذلك في حر شديد » « 1 » .
كان النبي إذن يرصد كل تحركات الروم وحلفائهم من العرب في هذه الجبهة الخطرة من جبهات العداء للإسلام ، فجاءته الأرصاد بأن الروم بدؤوا يتحركون ضد المسلمين ، فأعلن عن غزوهم ؛ لأنه ما كان ممكنا أن ينتظر حتى يهاجموه في المدينة .
هذا هو السبب المباشر لغزوة تبوك . أما الأسباب الحقيقية الكامنة فهي أن الروم منذ أعلنوا الحرب على المسلمين في مؤتة صراحة ، وحاولوا إبادتهم ، فإنهم فتحوا بأنفسهم باب الحرب بينهم وبين المسلمين ، وكان قتالهم واجبا على المسلمين لرد العدوان ، والدفاع عن العقيدة والنفس ؛ لأن اللّه يأمرهم بذلك فيقول تعالى :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[ البقرة : 190 ] . فحتى لو لم يتحركوا تحركا مباشرا لوجب قتالهم ؛ لأنهم بدؤوا بتحريض العرب ضد الإسلام . ثم حاربوهم صراحة في مؤتة ، وهذا إصرار منهم على مقاومة الإسلام والعدوان على المسلمين . وجاء الإذن الصريح بقتالهم في السورة التي صاحبت غزوة تبوك ، وهي سورة التوبة . « وهذه السورة من أواخر ما نزل من القرآن - إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن - ومن ثم تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع عن غزوة تبوك المصادر الآتية : ابن سعد - الطبقات ( 2 / 165 ) ، الطبري - تاريخ الأمم والملوك ( 3 / 142 ) ، وابن كثير - البداية والنهاية ( 5 / 2 ) ، وابن الأثير - الكامل ( 2 / 276 ، 277 ) .
( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن ( 2 / 81 ) .