وغرائزها في المحل الذي لا يطاول ، وهو يعلم يقينا أن الابن في مأساة نفسية وعاطفية تغلّب عليها بقوة إيمانه ، وسمو نفسه ، وحبّه للّه ولرسوله ! ! .
لقد ضرب الابن أروع مثل الإيمان والتضحية بعاطفة الأبوة ، فليضرب النبي الإنسان ذو القلب الكبير والخلق العظيم أروع المثل في العفو والرحمة وحسن الصحبة ، فيقول : « بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقي معنا » ! ! .
يا لروعة العفو ، ويا لجلال العظمة الإنسانية ! ! .
ويسمو الإيمان ثم يسمو ، فلا يرضى الابن المؤمن الصادق من الأب بالاعتذار أو إنكار ما قال ، بل يقف لأبيه وهم ايبون عند مدخل المدينة ، وبيده سيفه قائلا له : قف ، فو اللّه لا تدخلها حتى يأذن لك رسول اللّه في ذلك ، فلما أذن له تركه يدخل وقد أشاح عنه بوجهه .
اثار هذه السياسة النبوية الحكيمة
وقد كان لتسامح الرسول مع رأس المنافقين أبعد الآثار فيما بعد ، فقد كان ابن أبيّ كلما أحدث حدثا ، كان قومه هم الذين يعاتبونه ، ويأخذونه ويعنّفونه ، ويعرضون قتله على النبي ، والرسول يأبى ويصفح ، فأراد رسول اللّه أن يكشف لسيف الحق عن اثار سياسته الحكيمة ، فقال : « كيف ترى يا عمر ؟ أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له انف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ! ! » فقال عمر :
قد - واللّه - علمت لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم بركة من أمري ! ! .
احتيال وغدر
وقدم من مكة مقيس بن صبابة ، فقال : يا رسول اللّه جئتك مسلما ، وجئتك أطلب دية أخي الذي قتل خطأ ، فأمر له الرسول بدية أخيه هشام ، فأقام بالمدينة غير كثير ، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ، ثم خرج إلى مكة مرتدا ، ولهذا كان مقيس من الذين أهدر النبي دماءهم يوم الفتح ، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة .