موقف إنساني للرسول
ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقتلى فنقلوا من مصارعهم التي كانوا بها إلى قليب « 1 » ببدر ، وقد كان من سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت ، لا يسأل عن صاحبها مؤمنا أم كافرا « 2 » ، وهو موقف إنساني كريم لا يفعله إلا أولو العزم من الرسل ، فطالما أهانوه ، وسبّوه وأذاقوه وأصحابه العذاب ألوانا ، وهم الذين أخرجوهم من ديارهم وأهليهم وأموالهم ، ولكنها إنسانية الإسلام تعلو عن الأحقاد والانتقام . ولما طرحوهم ولم يبق إلا أمية بن خلف ، وقد كان رجلا بدينا فانتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه ، فأقروه وحفروا له ، وألقوا عليه التراب حتى واراه .
ولما مروا بعتبة بن ربيعة ليلقوه في القليب - وكان ابنه أبو حذيفة حاضرا - نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في وجه ابنه فإذا هو كئيب قد تغيّر لونه ، فقال :
« يا أبا حذيفة ، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ » ، فقال : ( لا واللّه يا رسول اللّه ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك ) ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير وقال له خيرا .
البشرى بالنصر
ولما تمّ النصر أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مبشّرين قبل مقدمه المدينة : عبد اللّه بن رواحة لأهل العالية « 3 » ، وزيد بن حارثة لأهل المدينة راكبا على ناقة رسول اللّه ، فدخلا وهما يرفعان عقيرتهما إعلاما بالنصر للمسلمين ، والقتل والهزيمة للمشركين ، فتلقاهم الرجال والصبيان والولائد ، وطافوا بالمدينة وضواحيها يهلّلون ويكبّرون اللّه على هذا النصر العظيم .
هامش
( 1 ) القليب : البئر التي لم تطو ، أي لم تبن جوانبها بالطوب فانهارت .
( 2 ) رواه الدارقطني في سننه .
( 3 ) العالية : قرى ظاهر المدينة ومنها قباء .