شهادة أخرى للقران من الوليد بن المغيرة
روي أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأ عليه القران « 1 » ، فكأنما رقّ له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال : يا عم ، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ، قال : لم ؟ قال : ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله ! ! قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا ، قال : فقل في القران قولا يبلغ قومك أنك منكر له ، قال : وماذا أقول ؟ فو اللّه ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ، ولا بأشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، واللّه إنّ لقوله الذي يقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق « 2 » أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته ! !
فقال أبو جهل : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه ، قال : دعني حتى أفكر فيه ، وبعد جهد جهيد ، وصراع نفسي عنيف قال : إن هذا إلا سحر يؤثر ، ألم تروا أنه يفرّق بين الرجل وأهله ، والولد ووالده « 3 » ! !
وفي رواية ابن إسحاق أن الوليد اجتمع هو ونفر من قريش ليجمعوا على رأي ليواجهوا به أهل الموسم فقد قرب ، فقالوا : كاهن ، فقال لهم :
ما هو بزمزمة الكهان ، فقالوا : نقول : مجنون ، فقال : ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون وعرفناه ، فقالوا : شاعر ، فقال : ما هو بشاعر ، فقالوا ساحر فقال :
ما هو بساحر ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ فقال مقالته الانفة في مدح القران ، ثم غلبت عليه شقوته فقال : إن أقرب القول أن نقول : إنه ساحر « 4 » .
وفي الوليد هذا أنزل اللّه سبحانه قوله :
هامش
( 1 ) في بعض الروايات أن النبي قرأ عليه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ . . . الآية .
( 2 ) أي كثير الغدق أي الماء ، والشجرة إذا كانت أصلها غدقا كانت نامية مثمرة .
( 3 ) البداية والنهاية ، ج 3 ص 60 .
( 4 ) السيرة ، ج 1 ص 270 ، 271 .