الفصل الثالث : [ أطوار الدعوة ]
الجهر بالدّعوة وما صاحبه من إيذاء وإغراء
ثم أمر اللّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يصدع بالدعوة إلى اللّه ، وكان ذلك بعد مضي ثلاث سنين من عمر الدعوة ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى قوله :
فَاصْدَعْ
« 1 »
بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 )
« 2 » .
فجهر النبي بالدعوة ، واستعلن بها هو وأصحابه ، فلم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه ، حتى عاب الهتهم ، وسفّه أحلامهم ، وبين لهم ما هم فيه من الضلالة والجهل والخرافات ، فجاهروه وصحبه بالعداوة ، وعزموا على مخالفته ، عصبية وجهلا ، ولمّا لم يمكنهم أن يقرعوا الحجة بالحجة ، وأفحموا ، لجأوا إلى السباب والشتم ، والإيذاء ، والتعذيب ؛ ومن ثم بدأ دور المحنة والبلاء ، وكان دورا طويلا شاقا أوذي فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الرغم من حدب عمه أبي طالب عليه ، ومنعه له ، وأوذي المسلمون غاية الإيذاء ، ولا سيما الأعبد والضعفاء .
دعوة النبي عشيرته الأقربين
ولما نزل قوله تعالى :
هامش
( 1 ) اجهر بما تؤمر به وأظهره يقال : صدع بالحجة إذا تكلم جهارا ، من الصديع وهو الفجر ، وقيل : أفرق بين الحق والباطل لأن الصدع في الزجاجة الكسر والإبانة ، وبما تؤمر : أي به من الشرائع ، ومن لطائف التعبير البلاغية الإشارة إلى أن رؤوسهم في حاجة إلى كسر وتصحيحها من جديد ، وقلوبهم في حاجة إلى صدع حتى يدخل فيها الدين الجديد .
( 2 ) الآية 94 من سورة الحجر .