الفصل الخامس تجديد قريش بنيان الكعبة
ولما بلغ صلّى اللّه عليه وسلّم خمسا وثلاثين سنة جاء سيل عارم فصدع جدران الكعبة ، وأوهن أساسها ، وكان قد أصابها من قبل حريق بسبب امرأة كانت تجمّرها ، فأرادت قريش هدمها ، ولكنهم تهيّبوا ذلك لمكانتها في قلوبهم ، وخوفهم أن يصيبهم الأذى ، فقال لهم الوليد بن المغيرة : أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة ؟ قالوا : بل الإصلاح ، فقال : إن اللّه لا يهلك المصلحين ، وأخذ المعول ، وشرع يهدم ، وتربص الناس تلك الليلة وقالوا : ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه شيء هدمنا ، فقد رضي اللّه ما صنعنا .
فأصبح الوليد من ليلته عائدا إلى عمله ، فهدم ، وهدم الناس معه ، حتى إذا انتهوا إلى أساس إبراهيم - عليه السلام - أفضوا إلى حجارة خضر اخذ بعضها ببعض ، فتركوا الأساس كما هو ، وشرعوا في البناء ، واتفقوا فيما بينهم بمشورة أحد أشرافهم ألايدخلوا في بنائها من كسبهم إلا طيبا ، لا يدخل فيه مهر بغيّ « 1 » ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس « 2 » .
وقد تجزّأت قريش الكعبة ، فكان جانب الباب لبني عبد مناف وزهرة ، وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم ، وقبائل من قريش انضموا
هامش
( 1 ) أجر بغي ، وهي المستعلنة بالزنا .
( 2 ) هذا يدل على أن العرب كان الكثيرون منهم يتحرون المكاسب الحلال وأن الربا كان طارئا عليهم من اليهود .