مدنية العرب وحضارتهم قبل الإسلام
يجمل بي قبل الدخول في الموضوع أن أبين معنى الحضارة « 1 » .
مفهوم الحضارة عند العلماء المسلمين ، أو علماء الاجتماع منهم خاصة هي كما بينها الإمام العلّامة عبد الرحمن بن خالدون في مقدمته « أن الحضارة عبارة عن نمط من الحياة المستقرة ، ينشئ القرى والأمصار ، ويضفي على حياة أصحابه فنونا منتظمة ، من العيش ، والعمل ، والاجتماع ، والعلم ، والصناعة ، وإدارة شؤون الحياة ، والحكم ، وترتيب وسائل الراحة ، وأسباب الرفاهية » « 2 » .
أما مفهوم الحضارة عند المحدثين فيعرفها أصحاب المعاجم « بأنها مظاهر الرقي العلمي ، والفني ، والأدبي ، والاجتماعي في الحضر » « 3 » . ولا يعكّر على هذا التعريف إلا قصر تلك المظاهر على الحضر أي المدن ، مع أن المكان لا دخل له في تغيير حقائق الأشياء ، وطبائعها ، فهل لو وجدت تلك المظاهر ، أو بعضها في القرى أصبحت شيئا غير ذلك ؟ ما نظنّ هذا ، ومن ثمّ يكون تعريف ابن خالدون أسلم منطقا ، وأشمل مفهوما ، وأدق تحديدا .
ويستخلص من هذين التعريفين أن الحضارة عبارة عن إنتاج الإنسان
هامش
( 1 ) الحضارة لغة الإقامة الثابتة المستقرة في المدن والقرى ، ويقابلها البداوة . وصلة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي الآتي بيانه ظاهرة ، لأن الإقامة الثابتة في المدن أو القرى تستلزم النشاط العقلي والوجداني والسلوكي الذي ينتج الحضارة .
( 2 ) مقدمة ابن خالدون .
( 3 ) المعجم الوسيط .