أصاب الشعير أكل وفرح به ولم يسخطه .
وأمّا ما ذكرت من إعطائي ، فإنّي قدّمته ليوم « فقري و » فاقتي وحاجتي [ إليه ] ، وربّ العزّة يا عمر ما أبالي إذا جاز طعامي لهواتي وانساغ في حلقي لباب البرّ ومخ المعز كان أو خشارة الشعير .
وأمّا قولك : إنّي ضعّفت سلطان اللّه وأوهنته ، وأذللت نفسي وامتهنتها ، حتّى جهل أهل المدائن إمارتي واتّخذوني جسرا يمشون فوقي ، ويحملون عليّ ثقل حمولتهم ، وزعمت أنّ ذلك ممّا يوهن سلطان اللّه ويذلّه ، فاعلم أنّ التذلّل في طاعة اللّه أحب إليّ من التعزّز في معصيته .
وقد علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم [ كان ] يتألّف الناس ، ويتقرّب منهم ويتقرّبون منه في نبوّته وسلطانه حتى كأنّه بعضهم في الدنوّ منهم ، وقد كان يأكل الجشب ، ويلبس الخشن ، وكان الناس عنده قرشيّهم [ وهاشميهم ] وعربيّهم وأبيضهم وأسودهم سواء في الدّين ، وأشهد أني سمعته يقول : « من ولي سبعة من المسلمين بعدي ثمّ لم يعدل فيهم لقي اللّه وهو عليه غضبان » ، فليتني يا عمر أسلم من عمارة المدائن مع ما ذكرت أنّي أذللت نفسي وامتهنتها ، فكيف يا عمر حال من ولي الأمّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم وإنّي سمعت اللّه يقول :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
« 1 » .
إعلم أنّي لم أتوجّه أسوسهم وأقيم حدود اللّه فيهم إلّا بإرشاد دليل عالم ، فنهجت فيهم بنهجه ، وسرت فيهم بسيرته ، واعلم أنّ اللّه تبارك وتعالى لو أراد بهذه الأمّة خيرا أو أراد بهم رشدا لولّى عليهم أعلمهم وأفضلهم ، ولو كانت هذه الأمة من اللّه خائفين ولقول نبي اللّه متّبعين وبالحقّ عاملين ما سمّوك أمير المؤمنين ! فاقض ما أنت قاض ، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ، ولا تغترّ بطول عفو اللّه عنك وتمديده
هامش
( 1 ) - القصص : 28 / 83 .