تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسة في السيرة — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
إن الآيات الواردة في حق المنافقين تلهم أن حركة النفاق إنما قام بها وتولى كبرها أفراد من البارزين في قومهم وعشائرهم قليلا أو كثيرا ، بل إننا نكاد نقول إن أعظم أفراد هذه الفئة كانوا من تلك الطبقة ، وإنه إذا كان اندمج فيها أناس من العامة فإنهم لم يكونوا كثيرين وإنما انساقوا فيها بتأثير أولئك من ناحية زعامتهم وعصبية الأرحام التي تربط بينهم ، ومن ناحية الإغراء والمنفعة ، وهذا طبيعي لأنه ليس لأفراد من العامة مناوأة حركة اندمج فيها غالب قومهم . . كما أنه قلما يكون في هؤلاء من يظن أنه أعقل من أن يندمج في حركة اندمجت فيها الكثرة الكبرى ، وإن الذين اندفعوا في مناوأتها واغتاظوا منها وحقدوا عليها لا يمكن أن يكونوا إلا أفرادا من البارزين الذين يمكن أن يتوهموا فيها ضررا وخطرا على مركزهم ومصلحتهم ، وأن يأنفوا هذا الحركة . فالذين أخذوا على عاتقهم مهمة تغذية هذه الحركة لا يمكن أن يتصلوا بشأنها إلا مع أمثال هؤلاء كما لا يخفى « 1 » . اتخذت أساليب المنافقين أشكالا شتى ، بعضها مخطط مدروس وبعضها عفوي مرتجل ، وهي في كلتا الحالتين جاءت تعبيرا عن التكوين النفسي والاجتماعي لشخصية ( المنافق ) واستهدفت وضع الحواجز والعوائق في طريق الحركة الإسلامية . . وسنتتبع هنا أساليبهم هذه وفق مجراها الزمني منذ ظهور هذه الكتلة في أعقاب بدر حتى وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . عندما حاصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بني قينقاع ، أول قبيلة يهودية كبيرة تنقض عهدها مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ونزلوا عند حكمه ، بعد أن رأوا ألا فائدة من المقاومة ، وجد عبد اللّه بن أبيّ أن انتصارا آخر - بعد بدر - سيحرزه المسلمون في داخل المدينة هذه المرة ، وأن هذا ربما سيستفز أعداء الإسلام : عربا ويهودا ، ويؤلبهم على المسلمين ، وأن هؤلاء ربما وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه . . فليتحرك زعيم المنافقين بسرعة إذن وليقف إلى جانب بني قينقاع مدافعا عنهم إزاء هجوم المسلمين ، علّ الدائرة تدور على هؤلاء فيكون ابن أبيّ قد أوجد لنفسه ولأتباعه ثغرة ينفذون منها بجلودهم ، سيما وأن يهود بني قينقاع كانوا مواليه في الجاهلية فلا يعقل أن يسلمهم لمصيرهم دون أن ( يظهر ) على الأقل إسناده في محنتهم . تقدم إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم متوسلا : يا محمد أحسن في مواليّ . فلم يجبه
هامش
( 1 ) دروزة : سيرة الرسول : 2 / 80 .