تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسة في السيرة — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
منه لإمكاناتهم الزراعية ورغبة منه في الإفادة من أية طاقة في إعمار الأراضي واستثمارها إلا أنه بيّن لهم أن موافقته هذه غير ملزمة إلى الأبد « فإنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم » لما يعرفه عن طبع اليهود من عدم الوفاء بالعهد ومن انتهاز أية فرصة تسنح للغدر والخيانة « 1 » . ويزيد ولفنسون مسألة معاملة يهود خيبر وضوحا فيبين أن خيبر كانت واسعة الأطراف وفيها من الحدائق والمزارع ما يحتاج للأيدي الكثيرة التي مارست أشغال الزراعة والفلاحة ، ولم يكن من العرب من مارس ذلك إلا النزر اليسير . وفوق ذلك لم يرض الرسول أن يترك من أنصاره من يستوطن هذه الأرض ويعمل بها لاحتياجه إليهم في الأعمال الحربية ، ولم يكن في الإمكان ترك هذه الأرض الخصبة بورا لا تنتج زرعا ولا ثمرا والدولة الإسلامية الناشئة كانت في أشد الحاجة إلى الأموال الكثيرة ، فلم يكن بد من الإبقاء على اليهود ليعملوا في هذه الأرض وينتجوا منها الزرع والثمر ، ولذا كانت شروط الصلح التي عقدت بين الطرفين في مصلحة المسلمين أكثر منها في جانب المغلوبين ، وما دامت شوكة اليهود في الحجاز قد انكسرت فليس ما يخشى من وجود يهود خيبر في أراضيهم « 2 » . وهناك أمر يستوقف النظر وهو أنه كان بين الغنائم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر صحائف متعددة من التوراة ، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي بتسليمها لهم . ويدل هذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم من المكانة العالية مما جعل اليهود يشيرون إلى النبي بالبنان حيث لم يتعرض بسوء لصحفهم المقدسة . ويذكرون بإزاء ذلك ما فعله الرومان حين تغلبوا على أورشليم وفتحوها سنة 70 ب . م إذ أحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم ، وما فعله المتعصبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا أيضا صحف التوراة . هذا هو البون الشاسع بين الفاتحين ممن ذكرناهم وبين رسول الإسلام « 3 » .
هامش
( 1 ) ابن هشام ص 261 - 264 ، الطبري : تاريخ 3 / 10 - 15 ، 20 - 21 ، ابن سعد 2 / 1 / 80 الواقدي 2 / 643 - 677 ، 690 - 691 ، البلاذري : فتوح 1 / 25 - 26 ، أنساب 1 / 352 ، وانظر المقريزي : إمتاع الأسماع 1 / 310 - 332 . ( 2 ) تاريخ اليهود ص 169 . ( 3 ) تاريخ اليهود ص 170 .