كان خالد في إسلامه ليس واحدا من هؤلاء ولا كواحد منهم ، ولكنه فكر وقدر في البقاء على وثنية مكة المكرمة ، أتكون مصلحته ، أم المصلحة في أن يسير في الركب لتحفظ له مكانة المحارب الفذ والقائد النادر المثال .
وجد مكة المكرمة قد سدت ولم تكن مكان العزة ، ورأى محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم هو ومن معه يعلون ولا ينخفضون ، فهو إلى علاء ، ومن في مكة المكرمة إلى غيره أو استسلام له .
ونفذ إدراكه إلى سر في علو محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو أنه ممنوع بمنع اللّه تعالى كالذي تسرب إلى نفسه وهو في خيل المشركين يرقبون صلاة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأصحابه .
ولكن كأن ومضة نفسية ، لا نقول إنها انطفأت ، ولكن نقول إن سباق تاريخ نفسه بنفسه يدل على أن ذلك لم يكن هو المسير الموجه إلى إيمانه .
بل كان الموجه أولا - أنه رأى أن لا مقام له بمكة المكرمة حيث سدت أبواب مظاهر النبوغ .
ثم كان الموجه ثانيا - أنه لم يكن له ملجأ في الحبشة ، لأن أصحاب محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم سبقوه ، والنجاشي يؤمن بمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ويحبه ، وفكر في أن يلجأ إلى الروم ، وينتقل من دين قومه إلى اليهودية أو النصرانية ، وربما كان ذلك فاتحا له باب النور ، ليخرج من دين قومه إلى دين رجل من قومه ، شرفه شرفهم ، كما عبر هو .
ثم كان الموجه ثالثا - الكتاب الذي بعث به إليه أخوه الوليد وقد ذكر فيه سؤال رسول اللّه وذكره ، وذكر عقله ، وذكر أن له موضعا في حروب المسلمين تعرف فيها مكانته ، وتتميز فيها قيادته .
اتجه إلى محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم لهذه الأمور ، ولم يكن منها إيمانه بالعقيدة إيمانا دافعا مؤمنا مطمئنا مهديا ، إلا أن يكون ما لاحظه من النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إذ حول الصلاة القائمة إلى صلاة خوف ، عندما حدثته نفسه إبان ذلك إلى الانقضاض على المؤمنين في صلاتهم .
ولما ذهب إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتطلق البشير النذير في وجهه ، رضى بالإسلام دينا ، وغفر اللّه تعالى له لدعوة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم له بالغفران .
وإنا لا ننقص من مقام خالد بن الوليد القائد المحارب ذي الدربة في القتال ، إذا قلنا إنه ابتدأ دخوله في الإسلام بأنه رأى في دخوله فيه المصلحة بعد أن صارت القوة الوحيدة في البلاد العربية للإسلام - لأنه إذا رأى في ذلك مصلحة شخصية دنيوية ، فإنها كانت باب النور إليه ، ودخل الإسلام قلبه ، وصار مؤمنا باللّه واليوم الآخر ، والملائكة والنبيين .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 841
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٨٤١