والحال الثانية : وهي الأخيرة أن اللّه سبحانه وتعالى أباح لهم الرفث إلى نسائهم وأن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، وقد بين اللّه سبحانه وتعالى هذه الحال الأخيرة بقوله سبحانه وتعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ ، وَعَفا عَنْكُمْ ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ، وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ، وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
( البقرة - 187 ) .
ولنا أن ننظر في كلام الحافظ ابن كثير من نواح عدة :
الأولى : أنه ذكر أنه عند فريضة الصوم كان المؤمن مخيرا بين أن يصوم ، وأن يفطر ، ويقدم فدية طعام مسكين ، ولعله فهم هذا من قول اللّه سبحانه وتعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ
ونحن نرى متبعين للسلف أو على الأقل لبعضهم أنه لم يكن تخيير بين الصوم والإفطار - أولا ، لأن ذلك ينافي الفريضة ، وقد ثبتت الفريضة مؤكدة في قول اللّه سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
( البقرة : 183 ، 184 ) . فقد تأكدت الفريضة بالتعبير عنها « بكتب » وبيان أن فريضة الصيام شريعة أزلية ، دائمة كتبت على المؤمنين ، كما كتبت على غيرهم ، ثم أفاد كلام اللّه سبحانه وتعالى أنها ذريعة إلى تقوى اللّه ، وتقوى اللّه مطلوبة في كل الأحوال .
الثانية : أن اللّه سبحانه وتعالى فرض على المترخص بالسفر أو المريض أن يصوم في أيام أخر ، فدل على أن الأيام محدودة معلوم وقتها ، وعلى أنها لا تفوت وتترك إذا كانت أعذار ، بل يجب أن تقضي ، ولو كان ثمة تخيير لذكر التخيير هنا وما وجب القضاء في أيام أخر ، ويكون ذلك للمسافر أو المريض المقيم .
والثالثة : أن آية كتب عليكم الصيام ، في سياقها
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
( البقرة : 185 ) فلا يعقل أن تكون آيتان في نص واحد ، إحداهما ناسخة والآخرى منسوخة ، بل المعنى المتسق هو أن يكون قول اللّه سبحانه وتعالى شهر رمضان بيانا للأيام المعدودة .
والرابعة : أن قول اللّه سبحانه وتعالى : « يطيقونه » ، معناها الذين يبلغون أقصى الطاقة في الصوم ، ولا قبل لهم بالإعادة من بعد ، فإن عليهم الفدية ، وقد روى أن هذا النص ينطبق على الشيخ والشيخة