ولقد قتل المشركون في غزوة أحد حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وحبيبه ، وأدنى قرابته إليه ، وسيد الشهداء كما سماه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومثلوا بجسمه الطاهر ، ومع منزلته منه عليه الصلاة والسلام لم يفكر بأن يمثل بأحد من قتلاهم فيما جد من بعد ذلك .
وإذا كان الأعداء يجيعون الأسرى ، أو يقتلوهم بالعطش ، فإن جيش المسلمين يعد من أقرب القربات إطعام الأسير ، تحقيقا لقوله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين في إيمانهم :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
( الإنسان - 8 ) .
احترام الكرامة الإنسانية :
357 - وإذا كانت الفضيلة لابد من احترامها في أثناء الحرب ، للأمر بتقوى اللّه تعالى عند رد الاعتداء بمثله ، فمن الفضيلة المحافظة على الكرامة ، بقوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
( الإسراء - 70 ) ، فكرامة العدو محترمة ككرامة الولي على سواء ، وقد يعد بعض الناس ذلك أمرا غريبا ، حيث كانت السيوف متشابكة ، إذ أن هذا ليس وقت التكريم ، بل هو وقت التقتيل ، ولكن لا غرابة ، فهي ليست حرب انتقام ، ولكنها قمع للشر ، ومنع لاستمراره ، ولا استمرار يتصور من مقتول .
ولذلك أمر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بدفن قتلى قريش ، لم يترك جثثهم نهبا لوحوش الأرض وسباع الطير ، أمر عليه الصلاة والسلام بوضع جثث القتلى من قريش في القليب وهو بئر جافة .
ولقد نهى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن الإجهاز على جريح ، كما نهى عن تعذيب القتلى ، إذ ضعفت قوة الجريح عن أن يقاوم ، وذلك كله لاحترام الإنسانية ، ولأن القتال ليس القصد منه إلا إضعاف قوة الطغاة ، ودفع الاعتداء وليس منها الانتقام .
وأن المعاملة بالمثل التي تفرضها قوانين الحرب ، والتي تفرض بحكم رد الاعتداء به لا يسير به المسلم إلى أقصى مداه ولو انتهكت الفضيلة والكرامة الإنسانية ، بل إن المسلم بأمر اللّه تعالى مأمور بالتقوى عند رد الاعتداء ، وكانت حرب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم هي المثل السامي في تنفيذ ذلك لأنه الذي يتعلم منه الإنسان إن حارب أخاه الإنسان ، فعندئذ يكون قانون الأخلاق هو الذي يحكم لا قانون الغابة .