وإن الجروح التي أصابت جيش الإسلام لا تعد هزيمة . وكما قال صديقنا القائد العظيم اللواء ركن محمود شيت خطاب ، إن فقد عشرة في المائة من الجيش مع بقائهم ثابتين ، ومع أنهم شقوا الطريق إلى النصر ، لا يعد هزيمة بحال من الأحوال .
إنما هو جرح ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى :
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
آل عمران . فما كانت المداولة بين الناس في الانتصار والانهزام ، بل كان في القرح الذي مسهم مثله فكانت الهزيمة لهم ابتداء ، ولم يستطيعوا أن ينزلوا بالمسلمين هزيمة مثلها ، بل فروا في النتيجة فرارا . .
العبرة فيما أصاب المسلمين :
433 - ولكن مع ذلك دروس ، ففي أحد عبر وأغلاط ، هي التي جعلت المسلمين يمسسهم قرح ، كما مس المشركين قرح أولا - وقرحهم أشد ، لأنه صحبته هزيمة .
وأن الجرح الذي أصاب المسلمين له أسباب :
أولها : أن جيش المسلمين كان فيه من يطلب الغنيمة ، لأنه حسب أن النصر مفروغ منه بالقياس على ما كان في بدر ، وقد ظهرت نيات هؤلاء قبل المعركة ، إذ همت طائفتان أن تفشلا واللّه وليهما ، وظهرت في أثناء المعركة ، فقال سبحانه وتعالى :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
والذين يريدون الدنيا سارعوا إلى الغنائم ، وعصوا أمر الرسول .
وظهر الذين يريدون الدنيا بعد المعركة ، فقد أهمتهم أنفسهم ، وندموا على الخروج لأنهم لم يصيبوا مالا وأصابتهم جراح ، ولم يعرفوا أن شأن القتال اتباع مناهجه ، فإن خرجوا عنها وخالفوا أمر القائد ، ينلهم الثبور ، وأنهم إن أطاعوا ، وسلكوا المنهج المستقيم نصرهم اللّه تعالى بتوفيقه .
ولقد كان هؤلاء يثيرون التردد في الجهاد في قلوب أهل الإيمان ، وقال اللّه سبحانه وتعالى فيهم :
أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ، وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ، قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ، هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
( آل عمران - 165 : 167 ) .